عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
377
اللباب في علوم الكتاب
يتصدق غير علي - رضي اللّه عنه - ويدل عليه أيضا قوله تعالى : فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ [ المجادلة : 13 ] . الحجة الرابعة : أنه - تعالى - أمر بثبات الواحد للعشرة بقوله تعالى : إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ [ الأنفال : 65 ] ، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى : الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ [ الأنفال : 66 ] . الحجة الخامسة : قوله تعالى : سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها [ البقرة : 142 ] ثم أزالهم عنها بقوله : فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [ البقرة : 144 ] قال أبو مسلم : « حكم تلك القبلة ما زال بالكلية جواز التوجيه إليها عند الإشكال ، أو مع العلم إذا كان هناك عذر » . الجواب : أن على ما ذكرته لا فرق بين « بيت المقدس » ، وسائر الجهات ، فالخصوصية التي امتاز بها « بيت المقدس » عن سائر الجهات قد زالت بالكلية ، فكان نسخا . الحجة السادسة : قوله تعالى : وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ [ النحل : 101 ] والتبديل يشتمل على رفع إثبات ، والمرفوع : إما التلاوة ، وإما الحكم فكيف كان فهو رفع ونسخ . واحتجّ أبو مسلم بأن اللّه - تعالى - وصف كتابه بأنه لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ [ فصلت : 42 ] فلو نسخ لكان قد أتاه الباطل . والجواب : أن المراد أن هذا الكتاب لم يتقدمه من كتب اللّه ما يبطله ، ولا يأتيه من بعده أيضا ما يبطله . فصل في أنواع النسخ « 1 » تارة ينسخ الحكم ، وتارة التلاوة ، وتارة هما معا ، فأما نسخ الحكم دون التلاوة فكهذه الآيات .
--> ( 1 ) وهو ثلاثة أنواع : « النّوع الأوّل » نسخ الحكم والتلاوة معا ؛ وذلك مثل ما روي عن عائشة - رضي اللّه عنها - ؛ أنها قالت : « كان فيما أنزل عشر رضعات محرّمات فنسخن بخمس » وروي أن سورة الأحزاب كانت تعدل سورة البقرة . وقال الحسن - رحمه اللّه - : « إن النبي - صلّى اللّه عليه وسلم - أوتي قرآنا ثم نسيه ، فلم يبق منه شيء لما رفع اللّه عن قلبه ذلك » ومثل له أيضا بما روي عن أنس بن مالك - رضي اللّه عنه - ؛ أنه قال : « كنّا نقرأ على عهد رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - سورة تعدل سورة التوبة ، ما أحفظ منها غير آية واحدة ، وهي : لو أن لابن آدم واديين من ذهب ، لابتغى إليه ثالثا ، ولو أن له ثالثا لابتغى إليه رابعا ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ، ويتوب اللّه على من تاب » ونسخ هذا النوع كان بطريق الصرف والنسيان . أي : يصرفها عن القلوب ، أو يصرف القلوب عنها ، وكان هذا النوع حاصلا في حياة النبي - صلّى اللّه عليه وسلم - يدلّنا -