عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

36

اللباب في علوم الكتاب

وثالثها : قال المهدويّ والماورديّ وغيرهما : أن يضمر في الكلام « بذنوبهم » ، فكأنهم يتوقعون لقاءه مذنبين ؛ لأن الإنسان الخاشع قد ينسى ظنه بيقينه وبأعماله . قال « ابن عطية » : « وهذا تعسّف » . فصل في أوجه ورود لفظ الظن قال « أبو العباس المقرئ » : وقد ورد « الظّن » في القرآن بإزاء خمسة معان : الأول : بمعنى « اليقين » كهذه الآية ، ومثله : إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ [ الحاقة : 20 ] ، ومثله : الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ [ البقرة : 249 ] . الثاني : بمعنى « الشّك » قال تعالى : إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ [ الجاثية : 32 ] . الثالث : بمعنى « حسب » قال تعالى : إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ [ الانشقاق : 14 ] أي : حسب ألا يرجع ، ومثله : وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ [ فصلت : 22 ] . الرابع : بمعنى « الإنكار » قال تعالى : وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا [ ص : 27 ] أي : إنكارهم . والخامس : بمعنى « الجحد » قال تعالى : وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [ يونس : 60 ] أي : وما جحدهم . و « أن » وما في حيّزها سادّة مسدّ المفعولين عند الجمهور ، ومسدّ الأول والثاني محذوف عند « الأخفش » ، وقد تقدّم تحقيقه . و « ملاقو ربّهم » من باب إضافة اسم الفاعل لمعموله إضافة تخفيف ؛ لأنه مستقبل ، وحذفت النون للإضافة ، والأصل : « ملاقون ربّهم » والمفاعلة - هنا - بمعنى الثلاثي نحو : عافاك اللّه . قال « المهدوي » : قال « ابن عطية » « 1 » : وهذا ضعيف ؛ لأن « لقي » يتضمن معنى « لاقى » . كأنه يعني أن المادّة لذاتها تقتضي المشاركة بخلاف غيرها من « عاقبت وطارقت وعافاك » . وقد تقدم أن في الكلام حذفا تقديره : ملاقو ثواب ربهم وعقابه . قال « ابن عطية » : « ويصح أن تكون الملاقاة - هاهنا - بالرؤية التي عليها أهل السّنة ، وورد بها متواتر الحديث » . فعلى هذا الذي قاله لا يحتاج إلى حذف مضاف . و « أنّهم إليه راجعون » عطف على « أنهم » وما في حيّزها ، و « إليه » متعلّق ب « راجعون » ، والضمير : إما للرّبّ سبحانه ، أو للثواب كما تقدّم ، أو للقاء المفهوم من قوله : « أَنَّهُمْ مُلاقُوا » .

--> ( 1 ) ينظر المحرر الوجيز : 1 / 318 .