عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
358
اللباب في علوم الكتاب
وقد جاءت مصادر على مفعول كالمعقول ، فهي مصدر - نقل ذلك الواحدي . والثاني : أنها « مفعلة » من الثواب بضم العين ، وإنما نقلت الضّمّة إلى الثاء ، ويقال : « مثوبة » بسكون الثاء وفتح الواو ، وكان من حقّها الإعلال فيقال : « مثابة » ك « مقامة » ، إلا أنهم صححوها كما صححوا في الإعلال « مكوزة » ، وبذلك قرأ أبو السمال « 1 » وقتادة كمشورة . ومعنى « لمثوبة » أي : ثواب وجزاء من اللّه . وقيل : لرجعة إلى اللّه - تعالى - خير . قوله : « مِنْ عِنْدِ اللَّهِ » في محلّ رفع صفة « لمثوبة » ، فيتعلّق بمحذوف ، أي : لمثوبة كائنة من عند اللّه تعالى . والعندية هنا مجاز تقدم في نظائره . قال أبو حيان : وهذا الوصف هو المسوغ لجواز الابتداء بالنكرة . قلت : ولا حاجة إلى هذا ؛ لأن المسوغ هنا شيء آخر ، وهو الاعتماد على لام الابتداء ، حتى لو قيل في الكلام : « لمثوبة خير » من غير وصف لصح . والتنكير في « لمثوبة » يفيد أن شيئا من الثواب - وإن قلّ - خير ، فلذلك لا يقال له قليل ، ونظيره : وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [ التوبة : 72 ] . وقوله : « خير » خبر « لمثوبة » ، وليست هنا بمعنى « أفعل » التفضيل ، بل هي لبيان أنها فاضلة ، كقوله تعالى : أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا [ الفرقان : 24 ] أَ فَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ [ فصلت : 40 ] . . قوله تعالى : « لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ » جوابها محذوف تقديره : لكان تحصيل المثوبة خيرا ، أي : تحصيل أسبابها من الإيمان والتقوى ، وكذلك قدّره بعضهم : لآمنوا . وفي مفعول « يعلمون » وجهان : أحدهما : أنه محذوف اقتصارا أي : لو كانوا من ذوي العلم . والثاني : أنه محذوف اختصارا تقديره : لو كانوا يعلمون التفضيل في ذلك ، أو يعلمون أن ما عند اللّه خير وأبقى . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 104 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 104 ) اعلم أن اللّه - تعالى - لما شرح قبائح أفعالهم قبل مبعث محمد - عليه الصلاة
--> ( 1 ) وقرأ بها ابن بريدة . انظر الشواذ : 16 ، والمحرر الوجيز : 1 / 719 ، والبحر المحيط : 1 / 504 ، والدر المصون : 1 / 331 .