عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
329
اللباب في علوم الكتاب
وقوله عليه الصلاة والسلام : « إنّ أبغضكم إليّ الثّرثارون المتفيهقون » « 1 » . [ الثرثرة : كثرة الكلام وتردده ، يقال : ثرثر الرجل فهو ثرثار مهذار والمتفيهق نحوه ] « 2 » قال ابن دريد : فلان يتفيهق في كلامه إذا توسّع وتنطّع ، قال : « وأصله الفهق ، وهو الامتلاء كأنه ملأ به فمه » . قال القرطبي رحمه اللّه تعالى : وبهذا المعنى الذي ذكرناه فسره عامر الشعبي راوي الحديث وصعصعة بن صوحان ، فقالا : أما قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « إنّ من البيان لسحرا » ، فالرجل عليه الحق وهو ألحن بالحجج من صاحب الحقّ [ فيسحر ] القوم ببيانه ، فيذهب بالحق ، وهو عليه ، وإنما يحمد العلماء البلاغة واللسان ما لم تخرج إلى حدّ الإسهاب والإطناب ، وتصوير الباطل في صورة الحق . فإن قيل : كيف يجوز أن يسمى ما يوضح إظهار الحقّ سحرا ، وهو إنما قصد إظهار الخفي لا إخفاء الظاهر ، ولفظ السحر إنما يفيد الظاهر ؟ فالجواب : إنما سمي السّحر سحرا لوجهين : الأول : أن ذلك القدر للطفه وحسنه استمال القلوب ، فأشبه السّحر الذي يستميل القلوب من هذا الوجه . الثاني : أنّ القادر على البيان يكون قادرا على تحسين ما يكون قبيحا ، وتقبيح ما يكون حسنا فأشبه السحر من هذا الوجه . فصل في ماهية السحر قال بعض العلماء : إن السّحر تخيّل لا حقيقة له ، لقوله تعالى : يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى [ طه : 66 ] . وقيل : إنه حقيقة ؛ لأنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلم سحره لبيد بن الأعصم فإن السحر أخرج من بئر ، وحلت عقوده ، وكلما انحلت عقدة خفّ عنه عليه السلام إلى أن سار كما نشط من عقال .
--> - وأبو داود في السنن حديث رقم ( 3583 ) - والموطأ ( 719 ) والبيهقي في السنن ( 10 / 149 ) - والخطيب في التاريخ ( 4 / 100 ) ، ( 7 / 179 ) - وذكره السيوطي في الدر المنثور 1 / 203 وابن حجر في فتح الباري 12 / 339 ، 13 / 157 . ( 1 ) أخرجه الترمذي في السنن 4 / 325 كتاب البر والصلة ( 28 ) باب ما جاء في معالي الأخلاق ( 71 ) حديث رقم 2018 . وأخرجه أحمد في المسند 4 / 193 عن أبي ثعلبة الخشني ولفظه : ( إن أحبكم إلي وأقربكم مني في الآخرة محاسنكم أخلاقا ، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني في الآخرة مساوئكم أخلاقا ؛ الثرثارون والمتفيهقون المتشدقون ) ، وذكره القرطبي في التفسير 2 / 45 . ( 2 ) سقط في ب .