عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

322

اللباب في علوم الكتاب

عليه الصّلاة والسّلام - وبصحة التوراة ، أو مصدقا لما معهم من حيث إنّ التوراة بشرت بمقدم محمد - عليه الصلاة والسلام - فإذا جاء محمد كان مجرد مجيئه مصدقا للتوراة . وقوله : « مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ » فيه وجهان : أحدهما : أن المراد ممن أوتي علم الكتاب من يدرسه ويحفظه بدليل قوله تعالى : « كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ » . والثاني : المراد من يدعي التمسّك بالكتاب ، سواء علمه أم لم يعلمه ، وهذا كوصف المسلمين بأنهم من أهل [ القرآن ] « 1 » لا يختص بذلك من يعرف علومه ، بل المراد من يؤمن به . قوله تعالى : « الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ » : « الكتاب » مفعول ثان ل « أوتوا » ؛ لأنه يتعدى في الأصل إلى اثنين ، فأقيم الأول مقام الفاعل ، وهو « الواو » ، وبقي الثاني منصوبا ، [ وقد تقدم أنه عند السهيلي مفعول أول ] « 2 » و « كتاب اللّه » مفعول نبذ ، و « وراء » منصوب على الظرف وناصبه « نبذ » ، وهذا مثل لإهمالهم التوراة ؛ تقول العرب : « جعل هذا الأمر وراء ظهره ، ودبر أذنه » أي : أهمله ؛ قال الفرزدق : [ الطويل ] 691 - تميم بن مرّ لا تكوننّ حاجتي * بظهر فلا يعيا عليّ جوابها « 3 » والمراد بكتاب اللّه : القرآن . وقيل : إنه التوراة لوجهين : الأول : أن النبذ لا يعقل إلا فيما تمسكوا به أولا ، وأما إذا لم يلتفتوا إليه فلا يقال : إنهم نبذوه . والثاني : أنه قال تعالى : « نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ » ولو كان المراد به : القرآن لم يكن لتخصيص الفريق معنى ؛ لأنّ جميعهم لا يصدقون بالقرآن . فإن قيل : كيف يصحّ نبذهم التوراة ، وهم متمسّكون بها ؟ قلنا : إنها لما كانت تدلّ على نبوة محمد - عليه الصلاة والسلام - بنعته ، ووجوب الإيمان به ، ثم عدلوا عنه كانوا نابذين للتّوراة . قال السّدي - رحمه اللّه تعالى - نبذوا التوراة ، وأخذوا بكتاب « آصف » ، وسحر « هارُوتَ وَمارُوتَ » « 4 » . قوله : « كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ » جملة في محلّ نصب على الحال ، وصاحبها : فريق ،

--> ( 1 ) في ب : الكتاب . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) ينظر ديوانه : ( 80 ) ، الأضداد : ( 256 ) ، القرطبي : 2 / 29 ، الدر المصون : 1 / 318 . ( 4 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 2 / 404 ) عن السدي ، وذكره ابن كثير في « تفسيره » ( 1 / 247 ) .