عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
31
اللباب في علوم الكتاب
تعالى : أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ إنما يصحّ ، ويحسن لو كان ذلك الفعل منهم ، فأما إذا كان مخلوقا فيهم على سبيل الاضطرار ، فإن ذلك لا يحسن إذ لا يجوز أن يقال للأسود : لم لا تبيض ؟ والجواب : أنّ قدرته لما صلحت للضدين بأن حصل أحد الضدين دون الآخر لا لمرجح كان ذلك محض الاتفاق ، والأمر الاتفاقي لا يمكن التوبيخ عليه ، وإن حصل المرجح فإن كان ذلك المرجح منه عاد البحث فيه ، وإن حصل من اللّه - تعالى - فعند حصوله يصير ذلك الطرف راجحا ، والآخر مرجوحا ، والمرجوح ممتنع الوقوع ؛ لأنه حال الاستواء لما كان ممتنع الوقوع ، فحال المرجوحية أولى بأن يكون ممتنع الوقوع ، وإذا امتنع أحد النقيضين وجب الآخر ، فيعود عليهم ما أوردوه ، ثم الجواب الحقيقي عن الكل : لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ [ الأنبياء : 23 ] . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 45 ] وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخاشِعِينَ ( 45 ) قوله : وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ جملة أمرية عطف على ما قبلها من الأوامر ، ولكن اعترض بينهما بهذه الجمل . وأصل « استعينوا » : « استعونوا » ففعل فيه ما فعل في « نستعين » وقد تقدم تحقيقه ومعناه . و « بالصبر » متعلّق به ، والباء للاستعانة أو للسّببية ، والمستعان عليه محذوف ليعم جميع الأحوال المستعان عليها ، واستعان يتعدّى بنفسه نحو : وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [ الفاتحة : 5 ] ، ويجوز أن تكون الباء للحال ، أي : ملتبسين بالصبر . والظّاهر أنه يتعدّي بنفسه وبالباء ، تقول : استعنت اللّه واستعنت باللّه ، وقد تقدم أن السّين للطلب . والصّبر : الحبس على المكروه ؛ ومنه : « قتل فلان صبرا » ؛ قال : [ الوافر ] 454 - فصبرا في مجال الموت صبرا * فما نيل الخلود بمستطاع « 1 » و « المصبورة » التي نهي عنها في الحديث هي المحبوسة على الموت ، وهي المجثمة . والصبر المأمور به هو الصّبر على الطّاعة ، وعن المخالفة ، وإذا صبر عن المعاصي فقد صبر على الطّاعة . قال النحاسي : « ولا يقال لمن صبر على المصيبة : صابر إنما يقال : صابر على كذا » . ويرده قوله تعالى : وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ [ البقرة : 155 ] ثم قال : الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ [ البقرة : 156 ] الآية .
--> ( 1 ) البيت لقطري بن الفجاءة ينظر في تخليص الشواهد : ص 298 ، وشرح التصريح : 1 / 33 ، والمقاصد النحوية : 3 / 51 ، وأوضح المسالك : 2 / 220 ، وشرح الأشموني : 4 / 12 ، الدر المصون : 1 / 212 .