عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
301
اللباب في علوم الكتاب
وهذه « اللام » جواب قسم محذوف ، والنون للتوكيد تقديره : واللّه لتجدنّهم . و « وجد » هنا متعدية لمفعولين أولهما الضمير ، والثاني « أحرص » ، وإذا تعدّت لاثنين كانت ك « علم » في المعنى ، نحو : وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ [ الأعراف : 102 ] . ويجوز أن تكون متعدية لواحد ، ومعناها معنى « لقي وأصاب » ، وينتصب « أحرص » على الحال ، إما على رأي من لا يشترط التنكير في الحال ، وإما على رأي من يرى أنّ إضافة « أفعل » إلى معرفة غير محضة ، و « أحرص » أفعل تفضيل ، ف « من » مرادة معها ، وقد أضيفت لمعرفة ، فجاءت على أحد الجائزين ، أعني عدم المطابقة ، وذلك أنها إذا أضيفت معرفة على نيّة من أجاز فيها وجهي المطابقة لما قبلها نحو : « الزّيدان أفضلا الرجال » ، و « الزيدون أفاضل الرجال » ، و « هند فضلى » و « الهنود فضليات النّساء » ومن قوله تعالى : أَكابِرَ مُجْرِمِيها [ الأنعام : 123 ] وعدمها ، نحو : « الزيدون أفضل الرجال » ، وعليه هذه الآية ، وكلا الوجهين فصيح خلافا لابن السّراج . وإذا أضيفت لمعرفة لزم أن تكون بعضها ، ولذلك منع النحويون « يوسف أحسن إخوته » على معنى التفضيل ، وتأولوا ما يوهم غيره نحو : « النّاقص والأشجّ أعدلا بني مروان » بمعنى العادلان فيهم ؛ وأما قوله : [ الرجز ] 673 - يا ربّ موسى أظلمي وأظلمه * فاصبب عليه ملكا لا يرحمه « 1 » فشاذّ ، وسوغ ذلك كون « أظلم » الثاني مقتحما كأنه قال : « أظلمنا » . وأما إذا أضيف إلى نكرة فقد تقدّم حكمها عند قوله : أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ [ البقرة : 41 ] . قوله تعالى : عَلى حَياةٍ متعلّق ب « أحرص » ؛ لأنّ هذا الفعل يتعدّى ب « على » تقول : حرصت عليه . والتنكير في حياة تنبيه على أنه أراد حياة مخصوصة ، وهي الحياة المتطاولة ، ولذلك كانت القراءة بها أوقع « 2 » من قراءة أبيّ « على الحياة » بالتعريف . وقيل : إن ذلك على حذف مضاف تقديره : على طول حياة ، والظّاهر أنه لا يحتاج إلى تقدير صفة ولا مضاف ، بل يكون المعنى : أنهم أحرص النّاس على مطلق الحياة . وإن قلت : فكيف وإن كثرت ، فيكون أبلغ من وصفهم بذلك ، وأصل حياة : « حيية » تحركت الياء ، وانفتح ما قبلها ، فقلبت ألفا . قوله : « وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا » يجوز أن يكون متصلا داخلا تحت « أفعل » التفضيل ويجوز أن يكون منقطعا عنه ، وعلى القول باتّصاله به فيه ثلاثة أقوال :
--> ( 1 ) ينظر الخزانة : 4 / 369 ، الهمع : 1 / 110 ، التصريح : 1 / 299 ، الدرر : 1 / 80 ، المقرب : 1 / 212 ، الدر المصون : 1 / 308 . ( 2 ) انظر البحر المحيط : 1 / 481 ، والدر المصون : 1 / 308 .