عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
297
اللباب في علوم الكتاب
كذلك فارض بأن نقتلك ونقتل أمتك ، فإنّا نراك ونرى أمتك في الضّر الشديد ، والبلاء العظيم بسبب الجدال والقتال ، وبعد الموت فإنكم تتخلّصون إلى نعيم الجنّة ، فوجب أن ترضوا بقتلكم . السؤال الثالث : لعلّهم كانوا يقولون : الدار الآخرة خالصة لمن كان على دينهم ، لكن بشرط الاحتراز عن الكبائر ، فأما صاحب الكبيرة فإنه يبقى مخلدا في النار أبدا ؛ لأنهم كانوا وعدوا به ، أو لأنهم جوّزوا في صاحب الكبيرة أن يصير معذبا ، فلأجل هذا ما تمنّوا الموت ، وليس لأحد أن يدفع هذا السّؤال بأن مذهبهم أنه لا تمسّهم النار إلّا أياما معدودة ؛ لأن كلّ يوم من أيام القيامة كألف سنة ، فكانت هذه الأيام ، وإن كانت قليلة بحسب العدد ، لكنها طويلة بحسب المدة ، فلا جرم ما تمنّوا الموت بسبب الخوف . السؤال الرابع : أنه - عليه الصلاة والسّلام - نهى عن تمنّي الموت فقال : « لا يتمنّينّ أحدكم الموت لضرّ نزل به ولكن ليقل : اللّهمّ أحيني إن كانت الحياة خيرا لي وتوفّني « 1 » إن كانت الوفاة خيرا لي » « 2 » وأيضا قال تعالى في كتابه : يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها [ الشورى : 18 ] فكيف يجوز أن ينهى عن الاستعجال ، ثم إنه يتحدّى القوم بذلك ؟ السؤال الخامس : أنّ لفظ التمني بين التمنّي الذي هو المعنى القائم بالقلب ، وبين اللفظ الدّال على ذلك المعنى ، وهو قول القائل : ليتني متّ ، فلليهود أن يقولوا : إنك طلبت منا التمني ، والتمنّي لفظ مشترك ، فإن ذكرناه باللّسان ، فله أن يقول : ما أردت به هذا اللّفظ ، وإنما أردت به المعنى الذي في القلب ، وإن فعلنا ذلك المعنى القائم بالقلب ، فله أن يقول : كذبتم ما أتيتم بذلك في قلوبكم ، ولما علم اليهود أنه أتى بلفظة مشتركة لا يمكن الاعتراض عليها لا جرم لم يلتفتوا إليه . السؤال السادس : هب أن الدار الآخرة لو كانت لهم لوجب أن يتمنّوا الموت ، فلم قلتم : إنهم لم يتمنوا الموت ؟ والاستدلال بقوله تعالى : وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً ضعيف ؛ لأن
--> ( 1 ) في أ : وأمتني . ( 2 ) متفق عليه من رواية عبادة بن الصامت رضي اللّه عنه فقد أخرجه البخاري في الصحيح ( 11 / 357 ) كتاب الرقاق ( 81 ) باب من أحب لقاء اللّه أحب اللّه لقاءه ( 41 ) حديث رقم ( 6507 ) ومسلم في الصحيح ( 4 / 2065 ) كتاب الذكر والدعاء والاستغفار ( 48 ) باب من أحب لقاء اللّه ( 5 ) حديث رقم ( 14 / 2683 ) بسياق موجز دون ذكره السيدة عائشة رضي اللّه عنها ثم انفرد وساقه من رواية عائشة رضي اللّه عنها في ( 4 / 2065 - 2066 ) حديث رقم ( 15 ، 16 / 2684 ) وفيه لفظه : والموت قبل لقاء اللّه وأبو داود في الجنائز باب 13 - والنسائي في السنن ( 4 / 3 ) وابن ماجة في السنن حديث رقم ( 4265 ) - وأحمد في المسند ( 2 / 263 ) ، ( 3 / 258 ) ، ( 5 / 109 ) - والحاكم في المستدرك ( 3 / 443 ) والطبراني في الكبير ( 4 / 74 ) ، ( 18 ، 36 ) . وأبو نعيم في الحلية ( 1 / 144 ، 145 ) ، ( 4 / 147 ) والخطيب في التاريخ ( 5 / 235 ) .