عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

295

اللباب في علوم الكتاب

وقيل : فتمنّوا الموت : ادعوا بالموت على الفرقة الكاذبة . روى ابن عباس رضي اللّه عنهما أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : « لو تمنوا الموت لشرق كلّ إنسان بريقه وما بقي على وجه الأرض يهودي إلّا مات » « 1 » . قوله : « إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً » شرط جوابه « فتمنّوا » . و « الدار » اسم « كان » وهي الجنة ، والأولى أن يقدّر حذف مضاف ، أي : نعيم الدار الآخرة ؛ لأن الدّار الآخرة في الحقيقة هي انقضاء الدّنيا ، وهي للفريقين . واختلفوا في خبر « كان » على ثلاثة أقوال : أحدها : أنه « خالصة » ، فيكون « عند » ظرف ل « خالصة » ، أو للاستقرار الذي في « لكم » ، ويجوز أن تكون حالا من « الدار » ، والعامل فيه « كان » ، أو الاستقرار . وأما « لكم » فيتعلق ب « كان » ؛ لأنها تعمل في الظرف وشبيهه . قال أبو البقاء رحمه اللّه تعالى : ويجوز أن تكون للتبيين ، فيكون موضعها بعد « خالصة » أي : خالصة لكم فتتعلّق بنفس « خالصة » ، وهذا فيه نظر ؛ لأنه متى كانت للبيان تعلّقت بمحذوف تقديره : أعني لكم ، نحو : سقيا لك ، تقديره : أعني بهذا الدعاء لك ، وقد صرح غيره في هذا الموضع بأنها للبيان ، وأنها متعلّقة حينئذ بمحذوف كما تقدم ، ويجوز أن يكون صفة ل « خالصة » في الأصل قدّم عليها فصار حالا منها ، فيتعلّق بمحذوف . الثاني : أن الخبر « لكم » فيتعلّق بمحذوف وينصب خالصة حينئذ على الحال ، والعامل فيها إما « كان » ، أو الاستقرار في « لكم » و « عند » منصوب بالاستقرار أيضا . الثالث : أن الخبر هو الظّرف ، و « خالصة » حال أيضا ، والعامل فيها إما « كان » أو الاستقرار ، وكذلك « لكم » ، وقد منع من هذا الوجه قوم فقالوا : لا يجوز أن يكون الظرف خبرا ؛ لأن هذا الكلام لا يستقل . وجوز ذلك المهدوي ، وابن عطية ، وأبو البقاء ، واستشعر أبو البقاء هذا الإشكال ، وأجاب عنه بأن قال : وسوغ أن يكون « عند » خبر « كان لكم » يعني لفظ « لكم » سوغ وقوع « عند » خبرا ، إذ كان فيه تخصيص وتبيين ، ونظيره قوله : وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [ الإخلاص : 4 ] ، لولا « له » لم يصحّ أن يكون « كفوا » خبرا . و « مِنْ دُونِ النَّاسِ » في محلّ نصب ب « خالصة » ؛ لأنك تقول : خلص كذا من كذا ، والمراد به سوى لا معنى المكان ، كما يقول القائل لمن وهب منه ملكا : هذا لك دون النّاس .

--> ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 2 / 363 ) عن ابن عباس موقوفا وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 173 ) وزاد نسبته لابن أبي حاتم .