عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

256

اللباب في علوم الكتاب

وهذه الجملة يجوز أن تكون محذوفة من الجمل المذكورة قبلها ، وذلك أنه قد تقدم ذكر أربعة أشياء كلها محرمة وهي قوله : تقتلون أنفسكم وتخرجون [ فريقا منكم من ديارهم ] « 1 » ، وتظاهرون ، وتفادون « 2 » فيكون التقدير : تقتلون أنفسكم وهو محرّم عليكم قتلها وكذلك مع البواقي . ويجوز أن يكون خصّ الإخراج بذكر التحريم ، وإن كانت كلها حراما ، لما فيه من معرّة الجلاء والنّفي الذي لا ينقطع شرّه إلا بالموت والقتل ، وإن كان أعظم منه إلّا أن فيه قطعا للشر ، فالإخراج من الدّيار أصعب الأربعة بهذا الاعتبار . و « المحرم » : الممنوع ، فإن التّحريم هو المنع من كذا ، والحرام : الشّيء الممنوع منه ، يقال : حرام عليك وحرم عليك وسيأتي تحقيقه في « الأنبياء » إن شاء اللّه تعالى . فصل في المراد بالكفر والإيمان في الآية اختلف العلماء في قوله : « أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ » قال ابن عباس وقتادة وابن جريج : « إخراجهم كفر ، وفداؤهم إيمان ؛ لأنه ذمهم على المناقضة ، إذ أتوا ببعض الواجب وتركوا البعض » « 3 » . فإن قيل : هب أن ذلك الإخراج كان معصية ، فلم سماها كفرا ؟ مع أنه ثبت أن العاصي لا يكفر . فالجواب : لعلّهم صرحوا بأن ذلك الإخراج غير واجب مع أنّ صريح التوراة كان دالّا على وجوبه . الثاني : أن المراد تمسّكهم بنبوة موسى - عليه الصلاة والسلام - مع التكذيب بمحمد - صلّى اللّه عليه وسلم - مع أن الحجّة في أمرهما سواء . قوله : « فما جزاء من يفعل » « ما » يجوز فيها وجهان : أحدهما : أن تكون نافية ، و « جزاء » مبتدأ ، و « إلا خزي » خبره وهو استثناء مفرّغ وبطل عملها عند الحجازيين لانتقاض النفي ب « إلّا » ، وفي ذلك خلاف وتفصيل وتلخيصه : أن خبرها الواقع بعد « إلا » جمهور البصريين على وجوب رفعه مطلقا سواء كان هو الأول ، أو منزلا منزلته ، أو صفة ، أو لم يكن ، ويتأولون قوله : [ الطويل ] 642 - وما الدّهر إلّا منجنونا بأهله * وما صاحب الحاجات إلّا معذّبا « 4 »

--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) في أ : وتفدون . ( 3 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 2 / 310 ) عن ابن عباس وقتادة وابن جريج . ( 4 ) البيت لأحد بني سعد ينظر شرح شواهد المغني : ص 219 ، وأوضح المسالك : 1 / 276 ، وتخليص الشواهد : ص 271 ، وخزانة الأدب : 4 / 130 ، 9 / 249 ، 250 ، والجنى الداني : ص 325 ، والدرر : 2 / 98 ، 3 / 171 ، وشرح التصريح : 1 / 197 ، وشرح المفصل : 8 / 75 ، والمقاصد النحوية : -