عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
241
اللباب في علوم الكتاب
أراد بالالتفات الخروج من خطاب بني إسرائيل القدماء إلى خطاء الحاضرين في زمن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم [ وقد قيل ذلك ] « 1 » ويؤيده قوله تعالى : « إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ » . قيل : يعني بهم الذين أسلموا في زمانه - عليه الصلاة والسلام - كعبد اللّه بن سلام وأضرابه ، فيكون التفاتا على القراءتين . ثم قال ابن الخطيب : الآية تحتمل ثلاثة أوجه : أحدها : أن يكون المراد من تقدم من بني إسرائيل ، لأنه - تعالى - قد ساق الكلام الأول في إظهار النعم بإقامة الحجج ثم بيّن بعد أنهم تولوا إلا قليلا ، فإنهم بقوا على ما دخلوا فيه ، فإنّ أول الكلام في المتقدمين ، فالظاهر يقتضي أن آخره فيهم ، إلا بدليل يوجب الانصراف عن الظاهر . وثانيها : أنه خطاب للحاضرين في عصر النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، يعني : أعرضتم بعد ظهور المعجزات كإعراض أسلافكم ؛ لأنه خطاب مشافهة ، وهو بالحاضرين أليق . وثالثها : أن يكون المراد بقوله : « ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ » من تقدم ؛ لأنه - تعالى - لما بين أنه - تعالى - أنعم عليهم بتلك النّعم ثم تولّوا عنها بعد ذلك كان ذلك دالّا على نهاية قبح أفعالهم ، ويكون قوله : وأنتم معرضون مختصّا بمن كان في زمان النبي صلّى اللّه عليه وسلم أي : أنكم بمنزلة المتقدّمين الذين تولّوا بعد أخذ المواثيق ، فإنكم بعد اطّلاعكم على صدق دلائل النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم أعرضتم عنه ، فكنتم بهذا الإعراض بمثابة أولئك المتقدمين [ الذين تولّوا بعد أخذ المواثيق بذلك الشّرك ] « 2 » في ذلك التولي واللّه أعلم « 3 » . و « قليلا » منصوب على الاستثناء ؛ لأنه من موجب . وقال القرطبي : المستثنى عند سيبويه منصوب ؛ لأنه مشبه بالمفعول . وقال محمد بن يزيد : هو المفعول حقيقة ؛ لأن معناه : استثنيت قليلا . وروي عن أبي عمرو « 4 » وغيره : « إلّا قليل » بالرفع ، وفيه ستّة أقوال : أصحها : أن رفعه على الصفة بتأويل « إلّا » وما بعدها بمعنى « غير » ، وقد عقد سيبويه رحمه اللّه في كتابه لذلك بابا فقال : « هذا باب ما يكون فيه « إلّا » وما بعدها وصفا بمنزلة غير ومثل » وذكر من أمثله هذا الباب : « لو كان معنا رجل إلا زيد لغلبنا » و لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [ الأنبياء : 22 ] . قال : [ الطويل ]
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) زاد بعده في أ : وجواب هذا يأتي آخر الآية عند جواب أبي البقاء . ( 4 ) انظر المحرر الوجيز : 1 / 173 ، والبحر المحيط : 1 / 455 ، والدر المصون : 1 / 280 .