عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
222
اللباب في علوم الكتاب
دخل داري أكرمته ، وبعض من دخل داري أكرمته ، ويقال أيضا : كل الناس كذا ، وبعض الناس كذا ، ولو كانت لفظة « من » في معرض الشرط تفيد العموم لكان إدخال لفظة « كل » عليها تكريرا ، وإدخال لفظة « بعض » عليها نقضا ، وكذلك في [ لفظ الجمع ] « 1 » المعرف . الثاني أن هذه الصيغ جاءت في كتاب اللّه تارة للاستغراق ، وأخرى للبعض ، فإن أكثر العمومات مخصوصة ، والمجاز والاشتراك خلاف الأصل ، فلا بد من جعله حقيقة في القدر المشترك بين العموم والخصوص ، وذلك هو أن يحمل على إفادة الأكثر من غير بيان أن يفيد الاستغراق أو لا يفيد . الثالث : أن هذه الصيغ لو أفادت العموم إفادة قطعية لاستحال إدخال لفظ التأكيد عليها ؛ لأن تحصيل الحاصل محال ، فحيث حسن إدخال هذه الألفاظ عليها علمنا أنها لا تفيد معنى العموم لا محالة ، سلمنا أنها تفيد معنى ولكن إفادة قطعية أو ظنية ، الأول ممنوع وباطل قطعا ؛ لأن من المعلوم بالضرورة أنّ الناس كثيرا ما يعبرون عن الأكثر بلفظ الكل ، والجمع على سبيل المبالغة كقوله تعالى : وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [ النمل : 23 ] وإذا كانت هذه الألفاظ تفيد معنى العموم إفادة ظنية ، وهذه المسألة ليست من المسائل الظنية ، سلّمنا أنها تفيد معنى العموم إفادة قطعية ، ولكن لا بد من اشتراط ألّا يوجد شيء من المخصصات ، فإنه لا نزاع في جواز تطرق التخصيص إلى العام ، فلم قلتم : إنه لم يوجد شيء من المخصصات ؟ أقصى ما في الباب أن يقال : بحثنا فلم نجد شيئا من المخصصات ، لكن عدم الوجدان لا يدلّ على عدم الوجود . وإذا كانت إفادة هذه الألفاظ الاستغراق متوقفة على نفي المخصصات ، وهذا الشرط غير معلوم [ كانت الدلالة متوقفة على شرط غير معلوم ] « 2 » فوجب ألّا تحصل الدلالة ، ومما يؤكد هذا قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [ البقرة : 6 ] حكم على كل الذين كفروا أنهم لا يؤمنون ، ثم إنا شاهدنا قوما منهم قد آمنوا ، فعلمنا أنه لا بد من أحد الأمرين : إما لأن هذه الصيغة ليست موضوعة للشمول ، أو لأنها وإن كانت موضوعة لهذا المعنى ، إلّا أنه قد وجدت قرينة في زمان الرسول - صلّى اللّه عليه وسلم - كانوا يعلمون من أجلها أن مراد اللّه - تعالى - من هذا العموم هو الخصوص ، وأما ما كان هناك فلم يجوز مثله هاهنا ؟ سلمنا أنه لا بد من بيان المخصص لكن آيات العفو مخصصة لها ، والرجحان معنا ؛ لأن آيات العفو بالنسبة إلى آيات الوعيد خاصة بالنسبة إلى العام ، والخاصّ مقدم على العام لا محالة ، سلّمنا أنه لا يوجد المخصّص ، ولكن عمومات الوعيد معارضة بعمومات الوعد ، ولا بدّ من الترجيح ، وهو معنى من وجوه :
--> ( 1 ) في ب : جمع اللفظ . ( 2 ) سقط في ب .