عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
218
اللباب في علوم الكتاب
العصاة ، ويكون أراد بالخلود المكث الطويل ، ثم بعد ذلك يخرجون . وقوله : « فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ » إلى آخره تقدم نظيره . وقرى « 1 » « خطاياه » تكسيرا ، وهذه مخالفة لسواد المصحف ؛ فإنه رسم « خطيئته » بلفظ التوحيد ، وتقدم القول في تعريف خطايا . فصل في لفظة « بلى » قال صاحب « الكشاف » « 2 » : بلى إثبات لما بعد حرف النفي ، وهو قوله : « لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ » - أي : بلى تمسكم أبدا بدليل قوله : « هُمْ فِيها خالِدُونَ » . أما السيئة فإنها تتناول جميع المعاصي ، قال تعالى : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [ الشورى : 40 ] « مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ » ولما كان من الجائز أن يظن أن كلّ سيئة صغرت أو كبرت ، فحالها سواء في أنّ فاعلها يخلد في النّار لا جرم بيّن تعالى أن الذي يستحقّ به الخلود أن يكون سيئة محيطة به ، ومعلوم أن لفظ الإحاطة حقيقة في إحاطة جسم بجسم آخر كإحاطة السّور بالبلد والكوز بالماء ، وذلك هاهنا ممتنع ، فنحمله على ما إذا كانت السيئة كبيرة لوجهين : أحدهما : أن المحيط يستر المحاط به ، والكبيرة لكونها محيطة لثواب الطاعات كالسّاترة لتلك الطاعات ، فكانت المشابهة حاصلة من هذه الجهة . والثاني : أن الكبيرة إذا أحبطت ثواب الطّاعات ، فكأنها استولت على تلك الطاعات ، وأحاطت بها كما يحيط العسكر بالإنسان بحيث لا يتمكن « 3 » من التخلص منه ، فكأنه - تعالى - قال : بلى من كسب كبيرة وأحاطت كبيرته بطاعاته ، فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون . فإن قيل : هذه الآية وردت في حق اليهود ؟ [ فالجواب ] « 4 » : العبرة بعموم اللّفظ لا بخصوص السبب ، هذا وجه استدلال المعتزلة في إثبات الوعيد لأصحاب الكبائر . وقد اختلف أهل القبلة [ فيه ] « 5 » فمنهم من قطع بوعيدهم وهم فريقان ؛ منهم من أثبت الوعيد المؤبّد ، وهم جمهور المعتزلة والخوارج . ومنهم من أثبت وعيدا منقطعا ، وهو قول بشر المريسي . ومنهم من قطع بأنه لا وعيد لهم ، وهو قول شاذّ ينسب إلى مقاتل بن سليمان المفسر .
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط : 1 / 445 ، والدر المصون : 1 / 274 . ( 2 ) ينظر الكشاف : 1 / 158 . ( 3 ) زاد في ب : الإنسان . ( 4 ) في أ : وقلنا . ( 5 ) سقط في ب .