عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
202
اللباب في علوم الكتاب
ربهم يعلم سرهم وعلانيتهم ، وأنهم لا يأمنون حلول العقاب بسبب نفاقهم ، وعلى كلا القولين فهذا الكلام زجر لهم عن النفاق ، وعن وصية بعضهم بعضا بكتمان دلائل نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلم . والأقرب أن اليهود المخاطبين بذلك كانوا عالمين بذلك ؛ لأنه لا يكاد يقال على طريق الزجر : أو لا يعلم كيف وكيت ، إلّا وهو عالم بذلك الشيء ، ويكون ذلك زاجرا له عن ذلك الفعل . فصل في الاستدلال بالآية على أمور قال القاضي : الآية تدلّ على أمور منها : أنه - تعالى - إن كان هو الخالق لأفعال العباد ، فكيف يصح أن يزجرهم عن تلك الأقوال والأفعال ، ومنها أنها تدلّ على صحّة الحجاج والنظر وأن ذلك قد كان على طريقة الصّحابة والمؤمنين . ومنها أنها تدلّ على أن الآتي بالمعصية مع العلم بكونها معصية يكون أعظم جرما . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 78 إلى 79 ] وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلاَّ أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ ( 78 ) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ( 79 ) واعلم أنه - تعالى - لما وصف اليهود بالعناد ، وأزال الطمع عن إيمانهم بين فرقهم ، فالفرقة الأولى هي الضّالة المضلّة ، وهم الذين يحرّفون الكلم عن مواضعه . والفرقة الثانية : المنافقون . والفرقة الثالثة : الذين يجادلون المنافقين . والفرقة الرابعة : هم المذكورون هنا ، وهم العامة الأمّيون الذين لا يعرفون القراءة ، ولا الكتابة ، وطريقتهم التقليد وقبول ما يقال لهم ، فبين اللّه - تعالى - أن الممتنعين عن الإيمان ليس سبب ذلك واحدا ، بل لكل قسم سبب . وقال بعضهم : هم بعض اليهود والمنافقين . وقال عكرمة والضّحاك : « هم نصارى العرب » . وقيل : « هم قوم من أهل الكتاب رفع كتابهم لذنوب ارتكبوها ، فصاروا آمنين » . وعن علي - رضي اللّه عنه - هم المجوس . قوله : « مِنْهُمْ » خبر مقدم ، فيتعلّق بمحذوف . و « أمّيون » مبتدأ مؤخر ، ويجوز على رأي الأخفش أن يكون فاعلا بالظرف قبله ، وإن لم يعتمد . وقد بنيت على ماذا يعتمد فيما تقدم .