عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
20
اللباب في علوم الكتاب
قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 42 ] وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 42 ) أمر بترك الإغواء والإضلال وإضلال الغير له طريقان : أحدهما : أن يكون الغير قد سمع دلائل الحق ، فإضلاله لا يمكن إلا بتشويش دلائل الحقّ عليه بالشبهات . والثاني : أن تخفي تلك الدّلائل عنه ، وتمنعه من الوصول إليها فقوله : وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ إشارة إلى الأول ، وقوله : وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ إشارة إلى الثاني . والباء في قوله : « بالباطل » للإلصاق كقولك : « خلطت الماء باللّبن » ، أي : لا تخلطوا الحقّ بالباطل ، فلا يتميز . وقال « الزمخشري » : إن كانت صلة مثلها في قولك : لبست الشيء بالشّيء ، وخلطته به كان المعنى : ولا تكتبوا في التوراة ما ليس فيها فيختلط الحق المنزّل بالباطل الذي كتبتم . وإن كانت « باء » الاستعانة كالتي في قولك : « كتبت بالقلم » كان المعنى : ولا تجعلوا الحقّ مشتبها بباطلكم الذي تكتبونه . فأجاز فيها وجهين كما ترى ، ولا يريد بقوله « صلة » أنها زائدة ، بل يريد أنها موصلة للفعل كما تقدم . وقال « أبو حيان » : « وفي جعله إياها للاستعانة بعد ، وصرف عن الظاهر من غير ضرورة » ، ولا أدري ما هذا الاستبعاد مع وضوح هذا المعنى الحق ؟ وقال ابن الخطيب « 1 » : [ إنها « باء » الاستعانة ] « 2 » . والمعنى : ولا تلبسوا الحقّ بسبب الشبهات التي توردونها على السّامعين ، وذلك لأن النصوص الواردة في التوراة والإنجيل في أمر محمد كانت نصوصا خفية يحتاج في معرفتها إلى الاستدلال ، ثم إنهم كانوا يجادلون فيها ، ويشوشون وجه الدلالة على المتأملين فيها بإلقاء الشبهات ، فهذا هو المراد بقوله : وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ ، فهو المذكور في قوله : وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ [ غافر : 5 ] . و « اللّبس » : الخلط والمزج ؛ لقوله : لبست عليه الأمر ألبسه خلطت بيّنه بمشكله ؛ ومنه قوله الخنساء : [ البسيط ] . 436 - ترى الجليس يقول الحقّ تحسبه * رشدا وهيهات فانظر ما به التبسا صدّق مقالته واحذر عداوته * والبس عليه أمورا مثل ما لبسا « 3 »
--> ( 1 ) ينظر الفخر الرازي : 3 / 40 . ( 2 ) في أ : الأظهر أنها للاستعانة ، والذي أثبتناه موافق للرأي . ( 3 ) ينظر القرطبي : 1 / 232 ، الدر المصون : 1 / 2080 .