عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

189

اللباب في علوم الكتاب

تعالى - خلق فيه الحياة والعقل والإدراك ، وهذا غير مستعبد في قدرة اللّه تعالى . ونظيره قوله تعالى : وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ [ فصلت : 21 ] . فكما جعل الجلد ينطق ويسمع ويعقل ، فكذلك الجبل وصفه بالخشية . وقال أيضا : لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [ الحشر : 21 ] . وروي أنه حنّ الجذع لصعود رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - المنبر ، ولما أتى الوحي رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم في أول المبعث ، وانصرف رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - إلى منزله سلمت عليه الحجارة فكلها كانت تقول : السّلام عليك يا رسول اللّه . قال مجاهد : ما تردّى حجر من رأس جبل ، ولا تفجّر نهر من حجر ، ولا خرج منه ماء إلّا من خشية اللّه ، نزل بذلك القرآن ، ومثله عن ابن جريج « 1 » وثبت عنه - عليه الصلاة والسلام - قال : « إنّ حجرا كان يسلّم عليّ في الجاهليّة إنّي لأعرفه الآن » « 2 » . وروي أنه - عليه الصلاة والسلام - قال : قال لي ثبير : اهبط ؛ فإنّي أخاف أن يقتلوك على ظهري فيعذّبني اللّه فناداه حراء : « إليّ يا رسول اللّه » « 3 » وقوله تعالى : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ [ الأحزاب : 72 ] الآية . وأنكرت المعتزلة ذلك ، ولا يلتفت إليهم ؛ لأنه لا دليل لهم إلا مجرد الاستبعاد . لو قال بعض المفسّربن : الضمير عائد إلى « الحجارة » و « الحجارة » لا تعقل ، ولا تفهم ، فلا بدّ من التأويل ، فقال بعضهم : إسناد الهبوط استعارة ؛ كقوله : [ الكامل ] 595 - لمّا أتى خبر الزّبير تواضعت * سور المدينة والجبال الخشّع « 4 » وقوله : « مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ » أي : ذلك الهبوط لو وجد من العاقل لكان به خاشيا لله ، وهو كقوله تعالى : جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ [ الكهف : 77 ] أي جدارا قد ظهر فيه الميلان

--> ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 2 / 240 ) عن مجاهد . ( 2 ) أخرجه مسلم في « صحيحه » ( 4 / 1782 ) كتاب الفضائل ( 43 ) رقم ( 2 / 2277 ) وأحمد ( 5 / 89 ، 95 ) والدارمي ( 1 / 12 ) وابن أبي شيبة ( 11 / 464 ) والطبراني في « الكبير » ( 2 / 257 ) والصغير ( 1 / 62 ) والبيهقي ( 2 / 153 ) وابن عساكر ( 2 / 153 ) . ( 3 ) ذكره القرطبي في « تفسيره » ( 1 / 466 ) . ( 4 ) البيت لجرير ينظر ديوانه : ص 913 ، والأشباه والنظائر : 2 / 105 ، 220 ، 25 ، وجمهرة اللغة : ص 723 ، وخزانة الأدب : 4 / 218 ، وشرح أبيات سيبويه : 1 / 257 ، والكتاب : 1 / 52 ، ولسان العرب ( حرث ) ، ( سور ) ، ( أفق ) ، ولجرير أو للفرزدق في سمط اللآلي : ص 379 ، 922 ، وليس في ديوان الفرزدق ، وفي الخصائص : 2 / 418 ، ورصف المباني : ص 169 ، والصاحبي في فقه اللغة : ص 267 ، والمقتضب : 4 / 197 ، والدر المصون : 1 / 264 .