عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
176
اللباب في علوم الكتاب
وعلى جواز النسخ قبل الفعل « 1 » ، وعلى وقوع النسخ في شرع موسى - عليه الصلاة والسلام - وعلى أن الزيادة على النص نسخ ، وعلى حسن التكليف ثانيا لمن عصى ولم
--> - وكل ما هو كذلك لا يجوز التعبد به ، فالتكليف بالأثقل لا يجوز التعبد به ، دليل الصغرى الآيتان ، والكبرى ضرورية . وقد أجاب بعض الأصوليين عن هذا الدليل بأنه : ليس المراد من التخفيف واليسر الواردين في الآيتين التخفيف واليسر في الدنيا ، وإنما المراد : التخفيف واليسر في الآخرة ؛ فالتخفيف تخفيف الحساب في الآية الأولى ، واليسر تكثير الثواب في الآية الثانية ناقلا « والسياق أكبر مؤيّد لهذا المراد » ولكن بالرجوع إلى سياق هاتين الآيتين ، وجدنا أن هذا الجواب خاطىء ؛ فإن الآية الأولى سيقت في معرض التشريع ، فإن اللّه بعد أن أباح للناس الفتيات المؤمنات إذا لم يستطيعوا طول المحصنات المؤمنات ، وخشوا العنت - بيّن أنه يريد هدايتهم سنن الذين من قبلهم ، والتوبة عليهم ، وأنه يريد التخفيف عليهم ، ولا معنى لذلك إلا التخفيف ؛ بالترخيص لهؤلاء العاجزين أن يتزوجوا الفتيات ، وذلك شأن الحكيم في كل تشريع ، فهو يراعي أحوال الضعفاء ؛ رعاية لمصالحهم الخاصة ، كما يراعي المصالح العامة ؛ ومثل ذلك : الآية الثانية ؛ فقد سيقت في معرض الترخيص للمرضى والمسافرين أن يفطروا ، ويقضوا عدة من أيام أخر ، فهي تماثل الآية الأولى ، ومتى علمنا أن مراده - سبحانه - بالتخفيف واليسر هو هذا ، ضعف احتجاج مانعي النسخ بالأثقل بهاتين الآيتين ؛ لأن موضوعهما الاستثناء من قواعد كلية لمصالح جزئية نسبية ، والكلام الآن في رفع حكم عام وإبداله بحكم آخر ، على أننا لو سلّمنا للخصم ما يقول ، فلا نسلّم أن هناك عموما ؛ فإن من البيّن ، أنه ليس المعنى : يريد اللّه جميع أنواع التخفيف واليسر ؛ إذ لو كان الأمر كذلك ، لما صحّ التكليف أصلا ، ولا الوقوع في الشدائد ، بل التخفيف أمر نسبي ؛ وكذا العسر واليسر ، ولو سلم العموم في الاثنين ، فمخصوص بثقال التكاليف بالاتفاق . وثالثا : قال اللّه تعالى : « ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها » وظاهر هذه : أن الأيسر خير في حق المكلف دون الأثقل ، وتقرير الدليل على هيئة قياس منطقي ، نقول فيه : التكليف بالأيسر فيه مصلحة للمكلف ، وكل ما فيه مصلحة للمكلف لا يجوز استبداله بغيره ، فالتكليف بالأيسر لا يجوز استبداله بغيره ، دليل الصغرى الآية الكريمة ، والكبرى ضرورية . والجواب عن هذا الدليل : أنّنا لا نسلم أن الأشق ليس بخير ، بل هو خير باعتبار الثواب في الآخرة ؛ كما أن الأخف خير باعتبار السهولة في الدنيا ، فإن الأشق أكثر ثوابا على ما قال - عليه الصلاة والسلام - لعائشة - رضي اللّه عنها - : « وأجرك على قدر تعبك » ، وقال : « أفضل الأعمال أحمزها » أي : أشقها على البدن . فإن قلت : قد روي عن ابن عباس حمل الخيرية في الآية على الخيرية الدنيوية في المشقة وعدمها . قلنا : لو سلم صحته ، فتأويل الراوي لا يكون حجّة إذا قام الدليل على خلافه ، أو نقول المراد الخيرية لفظا في الإعجاز والفصاحة والبلاغة . ( 1 ) إن القائلين بجواز النسخ ، اتفقوا فيما بينهم على جواز نسخ حكم الفعل بعد خروج وقته ، واختلفوا في نسخ حكم الفعل قبل التمكن ، ومعنى التمكن : أن يمضي بعدما وصل الأمر إلى المكلف زمان يسع الفعل المأمور به ، مثال ذلك : ما لو قال الشارع في رمضان : « حجّوا في هذه السنة » ثم قال قبل يوم عرفة : « لا تحجّوا » فقد ذهب إلى جواز ذلك الأشاعرة ، وكثير من أصحاب الشافعي ، وأكثر الفقهاء ، وعامّة أصحاب الحديث ، ومنع من ذلك : جماهير المعتزلة ، وأبو بكر الصيرفي من أصحاب الشافعي ، وبعض أصحاب الإمام أحمد بن حنبل .