عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
17
اللباب في علوم الكتاب
وثالثها : ولا تكونوا أول كافر به من أهل الكتاب ؛ لأن هؤلاء كانوا أول من كفر بالقرآن من بني إسرائيل ، وإن كانت قريش كفرت به قبل ذلك . ورابعها : ولا تكونوا أول كافر به ، يعني بكتابكم يقول ذلك لعلمائهم ، أي : ولا تكونوا أول أحد من أمتكم كذب كتابكم ؛ لأن تكذيبكم بمحمد صلى اللّه عليه وسلم يوجب تكذيبكم بكتابكم . وخامسها : ولا تكونوا أوّل كافر به عند سماعكم بذكره ، بل تثبّتوا فيه ، وراجعوا عقولكم فيه . قوله : وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا . « بآياتي » متعلّق بالاشتراء وضمن الاشتراء معنى الاستبدال ، فلذلك دخلت الباء على الآيات ، وكان القياس دخولها على ما هو ثمن ؛ لأن الثمن في البيع حقيقته أن يشترى به ، لا أن يشترى ، لكن لما دخل الكلام معنى الاستبدال جاز ذلك ؛ لأن معنى الاستبدال أن يكون المنصوب فيه حاصلا والمجرور بالباء زائلا . وقد ظنّ بعضهم أن قولك : « بدلت الدّرهم بالدينار » وكذا : « أبدلت » أيضا أن الدينار هو الحاصل ، والدرهم هو الزّائل ، وهو وهم ؛ ومن مجيء « اشترى » بمعنى « استبدل » قوله : [ الرجز ] 434 - كما اشترى المسلم إذ تنصّرا « 1 » وقول الآخر : [ الطويل ] 435 - فإن تزعميني كنت أجهل فيكم * فإنّي شريت الحلم بعدك بالجهل « 2 » وقال المهدوي : دخول « الباء » على « الآيات » كدخولها على « الثّمن » ، وكذلك كل ما لا عين فيه ، وإذا كان في الكلام دراهم أو دنانير دخلت الباء على الثمن ، قاله الفرّاء ، يعني أنه إذا لم يكن في الكلام درهم ولا دينار صحّ أن يكون كلّ من العوضين ثمنا ، ومثمنا ، لكن يختلف ذلك بالنسبة إلى المتعاقدين ، فمن نسب الشراء إلى نفسه أدخل الباء على ما خرج منه ، وزال عنه ، ونصب ما حصل له ، فتقول « اشتريت هذا الثّوب بهذا العبد » .
--> ( 1 ) ينظر الكشاف ( 1 / 131 ) ، البحر المحيط ( 1 / 333 ) ، الدر المصون ( 1 / 206 ) . ( 2 ) البيت لأبي ذؤيب الهذلي في الأضداد : 107 و 186 ، وتخليص الشواهد : 428 ، وخزانة الأدب : 11 / 249 ، والدرر : 2 / 242 ، شرح أبيات سيبويه : 1 / 86 و 351 ، شرح أشعار الهذليين : 1 / 90 ، شرح شواهد الإيضاح : 119 ، شرح شواهد المغني : 2 / 671 ، والكتاب : 1 / 121 ، ولسان العرب [ زعم ] ، مغني اللبيب : 2 / 416 ، المقاصد النحوية : 2 / 388 ، شرح ابن عقيل : 214 ، همع الهوامع : 1 / 148 ، والدر المصون : 1 / 207 .