عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
148
اللباب في علوم الكتاب
ومنه قولهم : سبت رأسه أي : حلقه . وقال الزمخشري : « والسّبت مصدر [ سبتت ] اليهود : إذا عظمت يوم السبت » . وفيه نظر ، فإنّ هذا اللفظ موجود ، واشتقاقه مذكور في لسان العرب قبل فعل اليهود ذلك ، اللّهم إلا [ أن ] « 1 » يريد هذا السبت الخاصّ المذكور في هذه الآية . والأصل فيه المصدر كما ذكرت ، ثم سمي به هذا اليوم من الأسبوع ، لاتفاق وقوعه فيه كما تقدم أن خلق الأشياء تمّ وانقطع ، وقد يقال : يوم السبت فيكون مصدرا . وإذا ذكر معه « اليوم » ، أو مع ما أشبهه من أسماء الأزمنة مما يتضمّن عملا وحدثا جاز نصب « اليوم » ، ورفعه ، نحو : « اليوم الجمعة » ، « اليوم العيد » كما يقال : « اليوم الاجتماع والعود » . فإن ذكر مع « الأحد » وأخواته وجب الرفع على المشهور ، وتحقيقها مذكور في [ كتب ] النحو . فصل في قصة عدوانهم بالصيد روي عن ابن عباس - رضي اللّه تعالى عنه - أنه قال : هؤلاء القوم كانوا في زمان داود - عليه الصلاة والسلام - ب « أيلة » على ساحل البحر بين « المدينة » و « الشام » وهو مكان يجتمع إليه الحيتان من كل أرض في شهر من السّنة حتى لا يرى الماء لكثرتها ، وفي غير ذلك الشهر في كل سبت يجتمعون هناك حتى يخرجن بخراطيمهن من الماء لأمنها ، فإذا مضى يوم السّبت تفرقن ، ولزمن قعر البحر فذلك قوله : إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ [ الأعراف : 63 ] فعمد رجال فحفروا حياضا عند البحر ، وشرعوا إليها الجداول ، فإذا كانت عشية يوم الجمعة فتحوا تلك الجداول ، فكانت الحيتان تدخل إلى الحياض ، فلا تطيق الخروج منها لبعد عمقها ، وقلّة الماء ، فيأخذونها يوم الأحد . وقيل : كانوا ينصبون الحبائل والشّصوص يوم الجمعة ، ويخرجونها يوم الأحد ، وذلك هو اعتداؤهم ، ففعلوا ذلك زمانا واشتغلوا وهم خائفون من العقوبة ، فلما طال العهد ، ولم تنزل عقوبة قست قلوبهم [ وتجرءوا ] « 2 » على الذنب فاستنّ الأبناء بسنّة الآباء ، واتخذوا الأموال ، وقالوا : ما نرى السبت إلّا وقد أحل لنا ، فمشى إليهم طوائف من أهل المدينة الذين كرهوا الصيد في السبت ، ونهوهم عن ذلك فلم ينتهوا ، وقالوا : نحن في هذا العمل منذ زمان ، فما زادنا اللّه به إلا عزّا فقيل لهم : لا تفتروا فربما نزل بكم العذاب ، فانقسموا ثلاثة أصناف : صنف أمسك وانتهى ، وصنف ما أمسك ولم ينته ،
--> ( 1 ) في ب : أمد . ( 2 ) في ب : تجروا .