عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
122
اللباب في علوم الكتاب
الرغبة والاستكثار من الأنواع بضد ذلك ، فثبت أن تبديل طعام بغيره يصلح أن يكون مقصود العقلاء ، وليس في القرآن ما يدلّ على منعهم ، فثبت أن هذا القدر لا يجوز أن يكون معصية ، ومما يؤكد ذلك أن قوله : اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ كالإجابة لما طلبوا ، ولو كانوا عاصين في ذلك السّؤال لكانت الإجابة إليه معصية ، وهي غير جائزة على الأنبياء ، لا يقال : إنهم لما أبوا شيئا اختاره اللّه لهم أعطاهم عاجل ما سألوه كما قال : وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها [ الشورى : 20 ] لأن هذا خلاف الظاهر . واحتجوا على أن ذلك السؤال معصية بوجوه : الأول : قولهم : لن نصبر على طعام واحد يدلّ على أنهم كرهوا إنزال المنّ والسلوى ، فتلك الكراهة معصية . الثاني : أن قول موسى عليه الصلاة والسلام : أَ تَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ استفهام على سبيل الإنكار ، وذلك يدلّ على كونه معصية . الثالث : أن موسى - عليه الصلاة والسلام - وصف ما سألوه بأنه أدنى ، وما كانوا عليه بأنه خير ، وذلك يدلّ على ما قلناه . والجواب عن الأول : أن قولهم : « لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ » ليس فيه دليل على أنهم كرهوه ، بل اشتهوا شيئا آخر ؛ لأن قولهم : لن نصبر إشارة إلى المستقبل ؛ لأن « لن » لنفي المستقبل ، فلا يدلّ على أنهم سخطوا الواقع . وعن الثاني : بأن الاستفهام على سبيل الإنكار قد يكون لما فيه من تفويت الأنفع في الدنيا ، وقد يكون لما فيه من تفويت الأنفع في الآخرة . وعن الثالث : بأن الشيء قد يوصف بأنه خير من حيث إن الانتفاع به حاضر متيقّن ، ومن حيث إنه حصل بلا كدّ ولا تعب ، فكما يقال ذلك في الحاضر ، فقد يقال في الغائب المشكوك فيه : إنه أدنى من حيث إنه لا يتيقّن من حيث لا يوصل إليه إلا بالكدّ ، فلا يمتنع أن يكون مراده - عليه الصلاة والسلام - هذا المعنى ، أو بعضه ، فثبت أن ذلك السؤال لم يكن معصية ، بل كان سؤالا مباحا ، وإذا كان كذلك فقوله : وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ، لا يجوز أن يكون لما تقدم ؛ بل لما ذكره اللّه - تعالى - بعد ذلك وهو قوله : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ إلى آخره . فهذا هو الموجب للغضب والعقاب لا كونهم سألوا ذلك . فصل في المراد ب « مصر » قال قوم : المراد من « مصر » البلد الذي كانوا فيه مع فرعون ؛ لقوله تعالى : ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ [ المائدة : 21 ] فأوجب دخول تلك الأرض ، وذلك يقتضي المنع من دخول غيرها ، وأيضا قوله : كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ يقتضي