عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
104
اللباب في علوم الكتاب
بعض الأنبياء : رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا [ الأعراف : 23 ] وقد يكون من الكبائر ، قال تعالى : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [ لقمان : 13 ] ، والفسق لا بدّ وأن يكون من الكبائر ، ويمكن أن يجاب عنه : بأن أبا مسلم لم يقل بأن الفسق مطلق الظلم ، وإنما خصّه بظلم معين ، وهو الذي وصفوا به في أوّل الآية ، ويحتمل أنهم استحقّوا اسم الظلم بسبب ذلك التبديل ، فنزل الرّجز عليهم بالفسق الذي كانوا يفعلوه قبل التبديل ، فيزول التكرار . احتجّ بعضهم بقوله : « فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا » على أنّ ما ورد من الأذكار لا يجوز تبديله بغيره ، وعلى هذا لا يجوز تحريم الصّلاة بلفظ التّعظيم ، ولا يجوز القراءة بالفارسية . وأجاب أبو بكر الرّازي : « بأنهم إنما استحقّوا الذّم لتبديلهم القول إلى قول يضاد معناه معنى الأول ، فلهذا استوجبوا الذم ، فأما تغيير اللفظ مع بقاء المعنى فليس كذلك » . قال ابن الخطيب : « والظّاهر أن هذا يتناول كل من بدّل قولا بقول آخر سواء اتّفقا أو لم يتفقا » . فإن قيل : قال هنا : « وإذ قلنا » ، وفي « الأعراف » : وَإِذْ قِيلَ [ الأعراف : 161 ] . قيل : لأن سورة « الأعراف » مكية ، و « البقرة » مدنية فأبهم القائل في الأولى - وهي « الأعراف » - ليكون لهم وقع في القلب ، ثم بيّنه في هذه السورة المدنية ، كأنه قال : ذلك القائل هناك هو هذا . وقال هنا : « ادخلوا » ، وفي « الأعراف » : « اسكنوا » . قال ابن الخطيب : « لأنّ الدخول مقدّم على السّكنى » . وهذا يرد عليه ، فإن « الأعراف » قبل « البقرة » ؛ لأنها مكية . وقال [ هنا ] « 1 » « فكلوا » بالفاء ، وفي « الأعراف » « وكلوا » بالواو . والجواب - هاهنا - هو الذي ذكرناه في قوله تعالى في سورة البقرة : وَكُلا مِنْها رَغَداً ، وفي « الأعراف » فَكُلا . [ ولم ذكر قوله : « رَغَداً » في « البقرة » ، وحذفه في « الأعراف » ؟ لأنه لما أسند الفعل إلى نفسه لا جرم ذكر معه الإنعام الأعظم وهو أن يأكلوا رغدا ] « 2 » ، وفي « الأعراف » لما لم يسند الفعل إلى نفسه [ لا جرم ] « 3 » لم يذكر الإنعام الأعظم . وقال هنا : وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ ، وفي « الأعراف » قدّم المؤخر ؛ لأن الواو للجمع المطلق ، وأيضا يحتمل أن يكون بعضهم مذنبا ، وبعضهم ليس بمذنب ، فالمذنب يكون اشتغاله أولا بالتوبة ، ثم بالعبادة فكلفوا أن يقولوا أولا « حطة » ثم يدخلوا الباب سجّدا ، وأما الذي ليس بمذنب ، فالأولى به أن يشتغل بالعبادة أولا ، ثم [ يذكروا ] « 4 » التوبة ثانيا على سبيل هضم النفس ، وإزالة العجب في فعل تلك العبادة
--> ( 1 ) في ب : في البقرة . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) سقط في ب . ( 4 ) في أ : بدلوا .