أحمد بن علي الطبرسي
312
الاحتجاج
وروى أهل السير : أن رجلا جاء إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال : يا أمير المؤمنين خبرني عن الله أرأيته حين عبدته ؟ فقال له أمير المؤمنين عليه السلام : لم أك بالذي أعبد من لم أره . فقال له : كيف رأيته يا أمير المؤمنين ؟ فقال له : يا ويلك لم تره العيون بمشاهدة العيان ، لكن رأته العقول بحقايق الإيمان ، معروف بالدلالات ، منعوت بالعلامات ، لا يقاس بالناس ، ولا يدرك بالحواس فانصرف الرجل وهو يقول : الله أعلم حيث يجعل رسالته . وروي أن بعض الأحبار جاء إلى أبي بكر فقال له : أنت خليفة نبي هذه الأمة ؟ فقال : نعم . قال : فإنا نجد في التوراة أن خلفاء الأنبياء أعلم أممهم ، فخبرني عن الله أين هو أفي السماء أم في الأرض ؟ فقال له أبو بكر : في السماء على العرش . قال اليهودي : فأرى الأرض خالية منه ، وأراه - على هذا القول - في مكان دون مكان . فقال أبو بكر : هذا كلام الزنادقة أعزب عني ( 1 ) وإلا قتلتك . فولى الرجل متعجبا يستهزئ بالإسلام ، فاستقبله أمير المؤمنين عليه السلام فقال له : يا يهودي قد عرفت ما سألت عنه ، وما أجبت به ، وإنا نقول : إن الله عز وجل أين الأين فلا أين له ، وجل عن أن يحويه مكان ، وهو في كل مكان ، بغير مماسة ولا مجاورة ، يحيط علما بها ، ( 2 ) ولا يخلق شئ من تدبيره تعالى ، وإني مخبرك بما جاء في كتاب من كتبكم يصدق ما ذكرته لك ، فإن عرفته أتؤمن به ؟ قال اليهودي : نعم . قال :
--> ( 1 ) عزب : غاب وخفي فهو " عازب " . ( 2 ) وفي بعض النسخ : " بما فيها " .