أحمد بن علي الطبرسي
304
الاحتجاج
جميع حيوانها : من طيرها ، وبهائمها ، وما كان من مراحها ، وسائمها ، وأصناف أشباحها ، وأجناسها ، ومتلبدة أممها وأكياسها ( 1 ) على إحداث بعوضة ما قدرت على إحداثها ، ولا عرفت كيف السبيل إلى إيجادها ولتحيرت عقولها في علم ذلك وتاهت ، وعجزت قواها وتناهت ، ورجعت خاسئة حسيرة ( 2 ) عارفة بأنها مقهورة مقرة بالعجز عن إنشائها ، مذعنة بالضعف عن إفنائها ، وأنه يعود سبحانه بعد فناء الدنيا وحده لا شئ معه ، كما كان قبل ابتدائها ، كذلك يكون بعد فنائها ، لا وقت ولا مكان ، ولا حين ولا زمان ، عدمت عند ذلك الآجال والأوقات ، وزالت السنون والساعات ، فلا شئ إلا الواحد القهار ، الذي إليه مصير جميع الأمور ، بلا قدرة منها كان ابتداء خلقها ، وبغير امتناع منها كان فنائها ، ولو قدرت على الامتناع لدام بقائها ، لم يتكاده صنع شئ منها إذا صنعه ، ولم يؤده منها خلق ما براه وخلقه ، ولم يكونها لتشديد سلطان ، ولا لخوف من زوال ونقصان ، ولا للاستعانة بها على ند مكاثر ، ولا للاحتراز بها من ضد مساور ( 3 ) ولا للإزدياد بها في ملكه ولا لمكاثرة شريك في شركته ، ولا لوحشة كانت منه فأراد أن يستأنس إليها ، ثم هو يفنيها بعد تكوينها لا لسأم دخل عليه من تصريفها وتدبيرها ، ولا لراحة واصلة إليه ، ولا لثقل شئ منها عليه ، لا يمله طول بقائها فيدعوه إلى نزعة إفنائها ، لكنه سبحانه دبرها بلطفه ، وأمسكها بأمره ، وأتقنها بقدرته ، ثم يعيدها بعد الفناء من غير حاجة منه إليها ، ولا استعانة بشئ منها عليها ، ولا لانصراف من حال وحشة إلى حال استيناس ، ولا من حال جهل وعمى إلى حال علم والتماس ، ولا من فقر ولا حاجة إلى غنى وكثرة ، ولا من ذل وضعة إلى عز وقدرة .
--> ( 1 ) المتلبدة : ذو البلادة ضد الأكياس . ( 2 ) الخاسئ : الذليل الصاغر . والحسير : الكال المعيى . ( 3 ) لم يتكاده : لم يشق عليه . لم يؤده : لم يثقله . الند : المثل . المكاثرة المغالبة بالكثرة . المساورة : المواثبة .