أحمد بن محمود السيواسي
87
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
فطرني ، وجاز ذلك لكونهم عابدين آلهتهم مع اللّه ، ويجوز أن يكون « إِلَّا » صفة بمعنى غير ويكون « ما » في « ما تعبدون » موصوفة ، أي بري من آلهة « 1 » غير الذي فطرني ، ويجوز أن يكون الاستثناء منقطعا ، أي لكن الذي فطرني ، أي « 2 » لا أبرأ منه ، قوله ( فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ ) [ 27 ] لا ينافي قوله « فَهُوَ يَهْدِينِ » « 3 » لكون المراد بالجمع بينهما في القول استمرار الهداية في الحال والاستقبال ، لأن المعنى أن اللّه تعالى يثبتني على الهداية حالا ومئالا وهي كلمة الإخلاص ، أعني « لا إله إلا اللّه » . [ سورة الزخرف ( 43 ) : آية 28 ] وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 28 ) ( وَجَعَلَها ) أي وجعل إبراهيم أو اللّه كلمة التوحيد التي تكلم بها بالوصية ( كَلِمَةً باقِيَةً ) تقال « 4 » ( فِي عَقِبِهِ ) أي في ذريته ونسله من بعده ( لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) [ 28 ] إلى الإيمان والطاعة إذا علموا أن إبراهيم كان أوصى بذلك ، قيل : « لا يزال في ذرية إبراهيم عليه السّلام من يعبد اللّه ويوحده » « 5 » . [ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 29 إلى 30 ] بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ ( 29 ) وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ ( 30 ) قوله ( بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ ) إضراب عن حال أهل مكة ، لأنه تعالى أخبر للنبي عليه السّلام أن قومك هؤلاء من عقب إبراهيم فلم يوحدوني بل متعتهم بالمد في العمر والنعمة ( وَآباءَهُمْ ) فاغتروا بالمهلة وشغلوا بالتنعم واتباع الشيطان عن كلمة التوحيد ( حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ ) أي القرآن ( وَرَسُولٌ مُبِينٌ ) [ 29 ] أي ظاهر الرسالة بما معه من الآيات البينة الفارقة بين الحق والباطل ، ف « حَتَّى » غاية لسبب التمتيع « 6 » وهو اشتغالهم بالاستمتاع فخيل بهذه الغاية أنهم تنبهوا عن هذه « 7 » الغفلة ، ثم أخبر ثانيا عن حالهم عندها فقال ( وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ ) أي القرآن ( قالُوا ) بما هو أقبح من غفلتهم وهو ( هذا ) أي ما جاء به محمد عليه السّلام ( سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ ) [ 30 ] فكذبوه فلم يوجد منهم ما رجاه إبراهيم عليه السّلام . [ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 31 إلى 32 ] وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ( 31 ) أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ( 32 ) ( وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ ) هذا احتكام منهم على حكمة اللّه في تخيير « 8 » محمد عليه السّلام من أهل زمانه للرسالة بقولهم استهزاء بالقرآن هلا نزل ( هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ ) أي من إحديهما ك « يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ » « 9 » وهما مكة والطائف ، قوله ( عَظِيمٍ ) [ 31 ] صفة « رَجُلٍ » ، أي رئيس بحسب الدنيا لا عظيم عند اللّه وهو الوليد بن المغيرة بمكة أو عروة بن مسعود بالطائف ، فقال اللّه توبيخا لهم ( أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ) أي نعمته من الرسالة والنبوة فيجعلون من شاؤوا رسولا مع عجزهم ، فالهمزة فيه للإنكار المؤذن بالتجهيل ، يعني ليس لهم ذلك بل نحن نختار للرسالة من نشاء من عبادنا ( نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ ) التي هي الرحمة الصغرى ( فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ) الفانية ، يعني ما يعيشون « 10 » به من المنافع حلالا كانت أو حراما بحسب القسمة ، وهي أدنى من الرسالة التي هي الرحمة الكبرى فلم نترك اختيارها إليهم لحكمة نعلمها ، فكيف نفوض اختيار ما هو أفضل منه ، وهو السلم الأعلى إلى حلول دار السّلام والطريق الموصل إلى حيازة حظوظ السعادة الباقية
--> ( 1 ) آلهة ، وي : آلهتهم ، ح . ( 2 ) أي ، ح : - وي . ( 3 ) الشعراء ( 26 ) ، 78 . ( 4 ) تقال ، وي : يقال ، ح . ( 5 ) عن مقاتل ، انظر السمرقندي ، 3 / 206 ؛ والبغوي ، 5 / 97 . ( 6 ) التمتيع ، ح و : التمتع ، ي . ( 7 ) هذه ، ي : - ح و . ( 8 ) تخيير ، ح : تخير ، وي . ( 9 ) الرحمن ( 55 ) ، 22 . ( 10 ) يعيشون ، وي : تعيشون ، ح .