أحمد بن محمود السيواسي
55
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
بل هو ابتداء كلام آخر ، عطف على ما قبله من النداء ، أي قال لهم حزبيل يا قوم ( ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ ) من النار بالتوحيد ( وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ ) [ 41 ] أي إلى عمل أهل النار . [ سورة غافر ( 40 ) : آية 42 ] تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ ( 42 ) ثم بين ذلك فقال ( تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ) أي حجة بأن له شريكا ، يعني ما ليس باله ولا يصح أن يكون إلها ( وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ ) أي المنتقم من المشرك ( الْغَفَّارِ ) [ 42 ] لمن تاب من الشرك وآمن . [ سورة غافر ( 40 ) : آية 43 ] لا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النَّارِ ( 43 ) قوله ( لا جَرَمَ ) اسم مبني على الفتح نحو لا بد لفظا ومعنى ، أي لا بدّ ولا انقطاع فيفيد معنى الوجوب ، يعني وجب وحق ( أَنَّما ) أي أن الذي ( تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ) من الأصنام ( لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ ) إلى نفسه قط بالعبادة لكونه جمادا ومن حق المعبود بالحق أن يدعو العباد إلى طاعته ، ثم يعبد العباد من دعاهم إظهارا لدعوة ربهم ، أي ليس له دعوة ( فِي الدُّنْيا ) لعجزه ( وَلا فِي الْآخِرَةِ ) لأنه إذا أحياه اللّه تعالى تبرأ من عبدته ( وَأَنَّ مَرَدَّنا ) أي لا جرم أن مرجعنا ( إِلَى اللَّهِ ) لا إلى غيره في الآخرة ( وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ ) أي المشركين ( هُمْ أَصْحابُ النَّارِ ) [ 43 ] أبدا . [ سورة غافر ( 40 ) : آية 44 ] فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ ( 44 ) ( فَسَتَذْكُرُونَ ) أي فستعرفون ( ما أَقُولُ لَكُمْ ) من أن نصيحتي لكم حق فتندمون ( وَأُفَوِّضُ أَمْرِي ) أي أرد أمر نفسي ( إِلَى اللَّهِ ) معتمدا عليه قاله حين أراد وأقتله لأجل دعوته إياهم إلى الإيمان باللّه وترك عبادة الأصنام فهرب فبعث فرعون في طلبه فلم يقدروا عليه ( إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ ) [ 44 ] أي عالم بأعمالهم وبجزائهم عليها . [ سورة غافر ( 40 ) : آية 45 ] فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ ( 45 ) ( فَوَقاهُ ) أي حفظه ( اللَّهُ ) ودفع عنه ( سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا ) أي شر ما أرادوا تدبيره ليقتلوه فنجا مع موسى ( وَحاقَ ) أي نزل ( بِآلِ فِرْعَوْنَ ) من مكرهم بالمسلمين ( سُوءُ الْعَذابِ ) [ 45 ] وهو الغرق في الدنيا والنار في الآخرة ويكفي في الحيق ما يقع عليه اسم السوء ولا يشترط أن يكون الحائق ذلك السوء بعينه . [ سورة غافر ( 40 ) : آية 46 ] النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ ( 46 ) ثم بين حالهم بعد غرقهم بقوله ( النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها ) أي يحرقون بها ( غُدُوًّا وَعَشِيًّا ) أي كل يوم مرتين ، قيل : « أرواح الشهداء في جوف طير خضر تأوى إلى قناديل معلقة بالعرش ، وأرواح آل فرعون في جوف طير سود تغدو وتروح على النار ما دامت الدنيا » « 1 » ، فذلك عرضها ودلت الآية على إثبات عذاب القبر لأن المراد من العرض التعذيب ( وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا ) بفتح الألف « 2 » خطاب للخزنة ، أي يقال لهم ادخلوا ( آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ ) [ 46 ] وهو أسفله في النار فيعاد عليهم الإحراق مرة بعد مرة دائما أو يعذبون ألوان العذاب دائما ، ومن قرأ بوصل الهمزة وضم الخاء جعله أمرا ل « آلَ فِرْعَوْنَ » بالدخول فيكون « آلَ فِرْعَوْنَ » منادى بحرف النداء المحذوف ، أي يا آل فرعون . [ سورة غافر ( 40 ) : آية 47 ] وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ ( 47 ) ( وَإِذْ يَتَحاجُّونَ ) أي اذكر يا محمد وقت تخاصم الضعفاء والرؤساء ( فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ
--> ( 1 ) عن هذيل بن شرحبيل ، انظر السمرقندي ، 3 / 169 . ( 2 ) « أدخلوا » : قرأ المكي والبصري والشامي وشعبة بوصل همزة « أدخلوا » وضم الخاء ، وإذا ابتدءوا ضموا الهمزة ، وغيرهم بهمزة قطع مفتوحة في الحالين مع كسر الخاء . البدور الزاهرة ، 280 - 281 .