أحمد بن محمود السيواسي

51

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

في صعيد واحد بأرض بيضاء كأنها سبيكة « 1 » فضة لم يعص اللّه فيها قط فأول ما يتكلم به أن ينادي مناد لمن الملك اليوم ، وقيل : إنه تعالى يقول بعد فناء الخلق بين النفختين لمن الملك اليوم فلا يجيبه أحد فيقول لنفسه « 2 » ( لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ) [ 16 ] وقيل : ينادي مناد به فيجيبه أهل المحشر « 3 » . [ سورة غافر ( 40 ) : آية 17 ] الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ ( 17 ) ثم يقول اللّه تعالى ( الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ ) أي ما « 4 » عملت في الدنيا من خير أو شر ( لا ظُلْمَ الْيَوْمَ ) أي الظلم مأمون فيه ، لأن اللّه ليس بظلام للعبيد ( إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ ) [ 17 ] أي يحاسبهم في وقت واحد ، لأنه لا يشغله حساب عن حساب ، وهذه الآية نتيجة قوله ( الملك لله الواحد القهار ) لأنه لا حكم لأحد في ذلك اليوم ليحاسبه ويجزي لنفس واحد ، عن ابن عباس رضي اللّه عنه : « إذا أخذ اللّه في حسابهم لم يقل أهل الجنة إلا فيها ولا أهل النار إلا فيها » « 5 » ، أشار به إلى سرعة الحساب . [ سورة غافر ( 40 ) : آية 18 ] وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ ( 18 ) ( وَأَنْذِرْهُمْ ) أي خوفهم يا محمد ( يَوْمَ الْآزِفَةِ ) أي بيوم الساعة القريبة ، من أزف الرجل إذا قرب ، وقيل : بوقت مشارفتهم دخول النار « 6 » ، قوله ( إِذِ الْقُلُوبُ ) بدل من « يَوْمَ الْآزِفَةِ » ، أي القلوب في ذلك اليوم ( لَدَى الْحَناجِرِ ) من الخوف ، أي ترتفع من مكانها إلى الخنجرة ولا يعود إلى مكانها من هول القيامة ، قوله ( كاظِمِينَ ) حال من أصحاب القلوب ، أي مغمومين جارعين الغيظ لا يظهرونه خوفا يتردد في أجوافهم ( ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ ) أي من قريب مشفق ينفعه ( وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ ) [ 18 ] له الشفاعة فيهم ، والمراد نفي الشفاعة والطاعة معا ، لأن الشافعين أولياء اللّه وهم لا يحبون إلا من أحبه اللّه فلم يشفعوا لهم . [ سورة غافر ( 40 ) : آية 19 ] يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ ( 19 ) ( يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ ) أي اللّه تعالى خائنة « 7 » الأعين بالنظر إلى محرم والغمزة إلى ما لا يحل كفعل أهل الريب وهو خبر من أخبار هو في قوله « هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ » « 8 » ( وَما تُخْفِي الصُّدُورُ ) [ 19 ] أي ويعلم ما تخفيه القولب . [ سورة غافر ( 40 ) : آية 20 ] وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ( 20 ) ( وَاللَّهُ يَقْضِي ) أي يحكم ( بِالْحَقِّ ) أي بالعدل لأنه مستغن عن الظلم فيما يأمر وينهى ( وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ) بالياء والتاء « 9 » ، أي تعبدونهم من دون اللّه وهم الأصنام ( لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ ) لعجزهم وعدم عقلهم ( إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ ) لمقالتكم ( الْبَصِيرُ ) [ 20 ] بأعمالكم . [ سورة غافر ( 40 ) : آية 21 ] أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ ( 21 ) ( أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا ) أي ألم يعتبروا ( كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ ) أي من تقدمهم من الأمم ، و « هُمْ » فصل في قوله ( كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً ) أي بأسا وأجسادا وحقه أن يدخل بين المعرفتين ، لكن « أَشَدَّ مِنْهُمْ » قد شابه المعرفة في أنه لا يدخل الألف واللام فأجري مجراه ( وَآثاراً فِي الْأَرْضِ ) يعني أكثر أعمالا وأعمارا وأحصن « 10 » قصورا ومنازل ، فكفروا ( فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ ) أي عاقبهم ( بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ

--> ( 1 ) سبيكة ، ي : سبكة ، ح ، سبكه ، و ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 5 / 177 . ( 2 ) نقله عن السمرقندي ، 3 / 163 . ( 3 ) أخذه المؤلف عن الكشاف ، 5 / 177 . ( 4 ) ما ، ح : - وي . ( 5 ) انظر الكشاف ، 5 / 177 . ( 6 ) هذا مأخوذ عن الكشاف ، 5 / 178 . ( 7 ) خائنة ، ح ي : خيانة ، و . ( 8 ) المؤمن ( 40 ) ، 13 . ( 9 ) « يدعون » : قرأ نافع وهشام بتاء الخطاب ، وغيرهما بياء الغيبة . البدور الزاهرة ، 279 . ( 10 ) وأحصن ، وي : وأحسن ، ح .