أحمد بن محمود السيواسي

134

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

عودهم إلى بلادهم خالدا ، فلم ير فيهم إلا الطاعة والخير فأخبر النبي عليه السّلام بذلك « 1 » ، أي يا أيها المؤمنون ( إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ ) أي بخبر كذب ( فَتَبَيَّنُوا ) « 2 » ، من التبين « 3 » ، وقرئ « فتثبتوا » « 4 » من التثبت وهو طلب الثبات ، أي تعرفوا صدقه من كذبه ولا تعجلوا ( أَنْ تُصِيبُوا ) أي مخافة أن تصيبوا ( قَوْماً بِجَهالَةٍ ) أي جاهلين بحالهم ، حال من ضمير « تُصِيبُوا » ( فَتُصْبِحُوا ) أي فتصيروا ( عَلى ما فَعَلْتُمْ ) من الخطأ بالقوم ( نادِمِينَ ) [ 6 ] والندم ضرب من الغم وهو غم يصحب الإنسان يتمنى أن ما وقع منه لم يقع ، وإنما قال « إِنْ جاءَكُمْ » بحرف الشك دون إذا ليدل على أن المؤمنين ينبغي أن يكونوا على هذه الصفة لئلا يطمع فاسق في مكالمتهم بكذب ما . [ سورة الحجرات ( 49 ) : آية 7 ] وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ( 7 ) ( وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ ) فعظموه وعظموا أمره بالموافقة ( لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ ) الذي تخبرونه أو يختارونه ، فان بعضهم اجتهدوا أن يعملوا بقول الفاسق وحرضوا النبي عليه السّلام على إرسالهم لقتال نبي المصطلق ونهبهم « 5 » ( لَعَنِتُّمْ ) أي لأثمتم ولهلكتم ، من عنت البعير إذا انكسرت رجله ، وإنما قال « يُطِيعُكُمْ » دون أطاعكم كما اقتضاه « لَوْ » ليدل على أنه كان في إرادتهم استمرار علمه على ما يستصوبونه ، لأن المضارع قد يدل على الاستمرار ، ثم استدرك عمن هو ضعيف الإيمان وقليل الموافقة لأمر النبي عليه السّلام من الصحابة « 6 » بقوله ( وَلكِنَّ ) « 7 » وهي كلمة الاستدراك يقتضي مخالفة ما بعدها لما قبلها نفيا وإثباتا ، وهي حاصلة هنا من حيث المعنى دون اللفظ ، أي ما وفق اللّه هؤلاء الذين أرادوا أن يخالفوا أمر النبي عليه السّلام بأن ينقادوا له ويطيعوه ولكن ( اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ ) أي ثبته وحسنه فيها بالآيات الواضحة والبراهين القاطعة فقبلتم ورضيتهم وشكرتم على هذه النعمة العظيمة التي لا نعمة فوقها ( وَكَرَّهَ ) أي بغض ( إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ ) أي تغطية نعم اللّه بالجحود ( وَالْفُسُوقَ ) أي الخروج عن الطاعة بالكذب وغيره ( وَالْعِصْيانَ ) أي ترك الانقياد لأمر الشارع ( أُولئِكَ ) أي أهل هذه الصفة ( هُمُ الرَّاشِدُونَ ) [ 7 ] أي المستقيمون على طريق الحق « 8 » . [ سورة الحجرات ( 49 ) : آية 8 ] فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 8 ) ( فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ) أي كان ذلك التحبيب والتزيين والتكريه رحمة من اللّه لهم ( وَنِعْمَةً ) أي وكرما منه تعالى ، فنصبهما ب « كان » المحذوفة « 9 » ، وقيل : مفعولا لهما بمعنى الإفضال والإنعام لفعل التحبيب والتزيين والتكريه ، وقوله « أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ » اعتراض بينهما « 10 » ( وَاللَّهُ عَلِيمٌ ) بأحوال المؤمنين وما بينهم من التفاضل والتمايز ( حَكِيمٌ ) [ 8 ] أي حاكم يحكم بالإفضال والإنعام بالتوفيق على أفاضلهم . [ سورة الحجرات ( 49 ) : الآيات 9 إلى 10 ] وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ( 9 ) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 10 ) قوله ( وَإِنْ طائِفَتانِ ) نزل حين ركب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حمارا وأتى إلى الأنصار ليكلمهم في أمر من أمور

--> ( 1 ) نقله المصنف عن السمرقندي ، 3 / 262 ؛ وانظر أيضا الواحدي ، 322 - 323 ؛ والبغوي ، 5 / 199 ؛ والكشاف ، 6 / 15 . ( 2 ) أي ، + ح . ( 3 ) التبين ، وي : التبيين ، ح . ( 4 ) « فتبينوا » : قرأ الأخوان وخلف بتاء مثلثة فوقية مفتوحة بعد التاء وبعدها باء موحدة مفتوحة مشددة وبعدها تاء مثناة فوقية مضمومة ، والباقون بباء موحدة مفتوحة بعد التاء وبعدها ياء مثناة تحتية مفتوحة مشددة وبعدها نون مضمومة . البدور الزاهرة ، 301 . ( 5 ) نهبهم ، وي : - ح . ( 6 ) من الصحابة ، وي : من أصحابه ، ح . ( 7 ) اللّه ، + ح . ( 8 ) الحق ، وي : الجنة ، ح . ( 9 ) فنصبهما بكان المحذوفة ، ح ي : - و . ( 10 ) أخذ المؤلف هذه الآراء عن الكشاف ، 6 / 17 .