أحمد بن محمود السيواسي
130
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
المؤمنين « 1 » من الكافرين ( لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا ) بالسيف ( مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً ) [ 25 ] أي وجيعا . [ سورة الفتح ( 48 ) : آية 26 ] إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ( 26 ) ( إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) أي اذكر وقت جعل الكافرين يعني أهل مكة ( فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ ) أي الأنفة وأبدل منها ( حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ ) حيث قالوا حين نزل النبي عليه السّلام بالحديبية برسالة جماعة منهم إليه قتل محمد آباءنا وإخواننا ثم أتانا ليدخل علينا في منازلنا ، واللّه لا ندخله علينا لئلا يقول المسلمون دخلنا البيت على رغم أنفهم فليرجع عنا من هذا العام على أن نخلي بينه وبين البيت من العام القابل ثلاثة أيام ، فسمع ذلك منهم رسول اللّه عليه السّلام أو هي إنكارهم رسالته ومنعهم من كتابة « 2 » « بسم اللّه الرحمن الرحيم » في كتاب المصالحة حيث قال عليه السّلام لعلي رضي اللّه عنه : « اكتب بسم اللّه الرحمن الرحيم ، هذا ما صالح عليه رسول اللّه أهل مكة » ، فقالوا : لو كنا نعلم أنك رسول اللّه ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ، ولكن اكتب باسمك اللهم هذا ما صالح محمد بن عبد اللّه ، فقال عليه السّلام : « اكتب ما يريدون » ، فهم المسلمون أن يمنعوا ذلك « 3 » ( فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ ) أي طمأنينته ( عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) أي لم يلحقهم الحمية ، يعني حمية الإسلام ، بل حلموا وتوقروا وسكنوا ، لأنه تعالى أراد ذلك منهم لحكمة يعلمها ( وَأَلْزَمَهُمْ ) أي ألهمهم ( كَلِمَةَ التَّقْوى ) وهي الوفاء بالعهد وأضافها إلى التقوى ، لأنه سبب التقوى وأساسها ( وَكانُوا ) أي كان المسلمون ( أَحَقَّ بِها ) أي بكلمة التقوى ، يعني يحفظ العهد من كفار مكة ( وَ ) كانوا ( أَهْلَها ) أي أهل هذه الكلمة في علم اللّه تعالى ( وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ) [ 26 ] أي بمن كان أهلا للإيمان وغيره . [ سورة الفتح ( 48 ) : آية 27 ] لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً ( 27 ) قوله ( لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ ) نزل حين رأى النبي عليه السّلام في النوم قبل الخروج إلى الحديبية أنه يدخل مع أصحابه المسجد الحرام محلقين ومقصرين ، فأخبر الناس بذلك فاستبشروا وظنوا أن يكون في ذلك العام ، فلما صدهم المشركون من دخول مكة قال المنافقون منهم ابن أبي واللّه ما دخلنا وما حلقنا وما قصرنا ولا رأينا المسجد الحرام « 4 » ، فحقق اللّه تعالى ذلك بقوله لقد صدق اللّه ( رَسُولَهُ الرُّؤْيا ) التي رآها في المنام ( بِالْحَقِّ ) أي ملتبسة « 5 » بالوقوع وهو يتعلق ب « صَدَقَ » أو ب « الرُّؤْيا » حالا منها ، يعني لم تكن أضغاث أحلام لتكذب ، وتفسيرها ( لَتَدْخُلُنَّ ) أي واللّه لتدخلن أيها المؤمنون ( الْمَسْجِدَ الْحَرامَ ) في العام الثاني ( إِنْ شاءَ اللَّهُ ) أي باذنه ، والاستثناء في خبر اللّه لتعليم العباد لأن يقولوا في عداوتهم مثله اقتداء بسنة اللّه وتأدبا بأدبه ، ويجوز أن يريد لتدخلن جميعا إن شاء اللّه ولم يمت منكم أحد « 6 » ( آمِنِينَ ) من العدو ( مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ ) أي جميع شعورها « 7 » ( وَمُقَصِّرِينَ ) أي بعض شعورها ( لا تَخافُونَ ) أبدا من العدو ( فَعَلِمَ ) اللّه تعالى من الحكمة والصواب ( ما لَمْ تَعْلَمُوا ) أنتم منه « 8 » وهو أن الخير « 9 » في الصلح وتأخير الدخول وقوعه في السنة الثانية فلذلك وقع في أنفسكم ما وقع ( فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ ) أي قبل دخول مكة ( فَتْحاً قَرِيباً ) [ 27 ] وهو فتح خيبر في ذلك العام ، فواعد لهم هذا الفتح لنفعهم ثم دخول مكة فتحققت الرأيا في العام القابل .
--> ( 1 ) المؤمنين ، ح : المؤمنون ، وي . ( 2 ) كتابة ، و : كتابه ، ح ي . ( 3 ) نقله المفسر عن الكشاف ، 6 / 8 . ( 4 ) أخذه المؤلف عن السمرقندي ، 3 / 258 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 5 / 189 ؛ والكشاف ، 6 / 8 . ( 5 ) ملتبسة ، وي : ملتبسا ، ح . ( 6 ) أحد ، ح : أحدا ، وي . ( 7 ) شعورها ، وي : شعرها ، ح . ( 8 ) منه ، وي : منهم ، ح . ( 9 ) الخير ، وي : الخبر ، ح .