أحمد بن محمود السيواسي
117
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
بالجراح ، أي أوهنتموهم وقهرتموهم قتلا وأسرا ( فَشُدُّوا الْوَثاقَ ) وهو بفتح الواو اسم لما يوثق به وقد جاء بكسر الواو لغة ، أي احتاطوا في شدهم بشد أيديهم من خلفهم لئلا يفلتوا ، ولما قوى الإسلام نزل ( فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ ) أي تمنون عليهم منا باطلاقهم بعد الأسر ( وَإِمَّا فِداءً ) أي تفادونهم أنفسهم بأموالهم ، يعني أنتم مخيرون في ذلك ( حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ ) أي أصحاب الحرب ( أَوْزارَها ) أي سلاحها أو المراد ب « الْحَرْبُ » المحاربون ، أي حتى « 1 » تضع المحاربون أوزارهم ، أي « 2 » آثامهم من الشرك والمعاصي بالإسلام ، و « حَتَّى » متعلقة بال « ضرب » وال « شد » أو بال « من » وال « فِداءً » ، أي إلى أن لا يبقى حرب مع المشركين لضعفهم « 3 » أو لإسلامهم « 4 » أو لنزول عيسى عليه السّلام ، فان الملك كلها تبقي على الإسلام حينئذ ، والآية محكمة عند الشافعي وجماعة لإطلاق النبي عليه السّلام ثمامة ثم أسلم بعد اليوم الثالث ولفدائه رجلا من عقيل كان أسيرا عند ثقيف « 5 » برجلين كانا من ثقيف أسيرين عنده عليه السّلام ، ومنسوخة عند أبي حنيفة وجماعة لقوله تعالى « اقتلوا الْمُشْرِكِينَ » « 6 » ، فإنه عليه السّلام قتل يوم الفتح ابن خطل بعد ما وقع في منعة المسلمين فهو كالأسير ولا يجوز أن يفتدى بمال أصلا إلا عند الضرورة ، لأن رد الأسير إلى دار الحرب قوة لهم في الحرب فيكره كما يكره بيع السلاح لهم وإن يفتد بأسير من المسلمين فلا بأس به ، فعلى ما ذهب إليه أبو حنيفة رضي اللّه عنه لو علق « حَتَّى » بالضرب والشد فالمعنى عنده أنهم يقتلون ويؤسرون إلى أن تضع الحرب أوزارها لضعف المشركين ، ولا يرى فداءهم لا بمال ولا بغيره خيفة أن يعودوا حربا للمسلمين ولو علق بالمن والفداء كان المعنى يمن عليهم ويفادون حتى تضع حرب بدر أوزارها ، لأنه قال نزلت الآية في المن والفداء يوم بدر ثم نسخت ، وأما المعنى على كلا المتعلقين عند الشافعي فهو أنهم لا يزالون على ذلك أبدا إلى أن لا يبقى للكفار شوكة حرب مع المسلمين « 7 » ، قوله ( ذلِكَ ) يجوز في محله الرفع والنصب ، أي الحكم فيهم ذلك أو افعلوا ذلك ( وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ ) أي لانتقم بغير الأمر بقتال باهلاكهم ( وَلكِنْ ) أمركم بالقتال ( لِيَبْلُوَا ) أي ليختبر ( بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ) بالقتال ، يعني ليختبر المؤمنين بالكافرين وبالعكس ليظهر لكم منكم الطائع والعاصي ( وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) مجهولا لا مخففا أو معلوما « 8 » أو قاتلوا ( فَلَنْ يُضِلَّ ) اللّه ( أَعْمالَهُمْ ) [ 4 ] أي لن يبطل ثوابها . [ سورة محمد ( 47 ) : الآيات 5 إلى 6 ] سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ ( 5 ) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ ( 6 ) ( سَيَهْدِيهِمْ ) أي سيثبتهم على الهدى ( وَيُصْلِحُ بالَهُمْ ) [ 5 ] أي حالهم أيام حياتهم بالعصمة ( وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ ) في الآخرة ( عَرَّفَها ) أي طيبها ( لَهُمْ ) [ 6 ] أو اعلم منزلهم فيها لهم عند دخولهم الجنة ، روي عن النبي عليه السّلام : « إذا أذن لأهل الجنة في دخولها لأحدهم أعرف بمنزله في الجنة من منزله الذي كان في الدنيا » « 9 » ، يعني يكون المؤمن أهدى إلى منزله وزوجته وخدمه في الجنة منه في الدنيا وقد طيب وحدد ، أي أفرز عن غيره . [ سورة محمد ( 47 ) : الآيات 7 إلى 9 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ ( 7 ) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ ( 8 ) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ ( 9 ) ثم حث المؤمنين على الجهاد بقوله ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ ) بقتال الكفار ( يَنْصُرْكُمْ ) بالغلبة عليهم ( وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ ) [ 7 ] في المعترك فلا تزول في الحرب .
--> ( 1 ) حتى ، وي : - ح . ( 2 ) أي ، ح و : - ي . ( 3 ) لضعفهم ، وي : بضعفهم ، ح . ( 4 ) أو لإسلامهم ، وي : - ح . ( 5 ) وجماعة ، + ح . ( 6 ) التوبة ( 9 ) ، 5 . ( 7 ) اختصر المفسر هذه الأقوال من السمرقندي ، 3 / 240 - 241 ؛ والكشاف ، 5 / 261 - 262 . ( 8 ) « قتلوا » : قرأ حفص والبصريان بضم القاف وكسر التاء ، والباقون بفتح القاف والتاء وألف بينهما . البدور الزاهرة ، 296 . ( 9 ) روى البخاري نحوه ، الرقاق ، 48 ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 3 / 241 .