أحمد بن محمود السيواسي
99
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
[ سورة طه ( 20 ) : الآيات 105 إلى 107 ] وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً ( 105 ) فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً ( 106 ) لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً ( 107 ) ( وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ ) أي يسأل بعض أهل مكة وهم بنو ثقيف يا رسول اللّه : ما يصنع اللّه بالجبال يوم القيامة ( فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً ) [ 105 ] أي يقلعها عن أماكنها بأن يجعلها كالرمل ثم يرسل عليها الريح فتذروها « 1 » فتصير كالهباء المنثور ( فَيَذَرُها ) أي يترك أماكنها أو الأرض ( قاعاً ) أي أرضا منبسطة ( صَفْصَفاً ) [ 106 ] أي ملساء مستوية ( لا تَرى فِيها عِوَجاً ) أي إنخفاضا ( وَلا أَمْتاً ) [ 107 ] أي ارتفاعا ، وإنما قال « عوجا » بالكسر في الأرض ، ولا يستعمل ذلك إلا في المعاني ، لأنه اعتبر الاستواء ونفي الاعوجاج عنها فيها ، فالتحقت بالمعاني . [ سورة طه ( 20 ) : آية 108 ] يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً ( 108 ) ( يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ ) أي الناس يقصدون نحو الداعي ، يعني صوته وهو إسرافيل حين ينادي قائما على صخرة بيت المقدس أيتها العظام البالية « 2 » والجلود المتمزقة واللحوم المتفرقة ، هلمي إلى عرض الرحمن فيأتون سعيا من كل ناحية إلى صوته ( لا عِوَجَ لَهُ ) أي لا يعوج له مدعو من الناس بل يتبعه من غير عدول عنه ( وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ ) أي خفضت وذلت ( لِلرَّحْمنِ ) من شدة الفزع ، والمراد أصحابها ( فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً ) [ 108 ] أي صوتا من مشي الأقدام بخفاء إلى المحشر خوفا وهيبة ، وقيل : « الهمس تحريك الشفاه « 3 » بلا نطق » « 4 » . [ سورة طه ( 20 ) : آية 109 ] يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً ( 109 ) ( يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ ) أحدا من الناس عنده ( إِلَّا ) شفاعة ( مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ ) أن يشفع فيشفع ( وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا ) [ 109 ] أي رضي قوله بأن قال لا إله إلا اللّه خالصا في الدنيا ، ويجوز أن يكون « مَنْ » « 5 » مفعولا ، فالمعنى على هذا : لا ينفع شفاعة الشافع إلا من أذن اللّه لأجله أن يشفع ورضي له قوله ، وهذا يدل على أن لا شفاعة لغير المؤمنين . [ سورة طه ( 20 ) : آية 110 ] يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ( 110 ) ( يَعْلَمُ ) اللّه تعالى ( ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ ) أي يعلم جميع أحوالهم المتقدمة والمستقبلة فأخباره عن علم ( وَ ) هم ( لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ) [ 110 ] أي لا يعلمون بما بين أيديهم من الآخرة وما خلفهم من الأعمال ، وقيل : الضمير للّه « 6 » ، أي بمعلوماته . [ سورة طه ( 20 ) : آية 111 ] وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً ( 111 ) ( وَعَنَتِ الْوُجُوهُ ) أي خضعت وجوه العصاة ( لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ ) وذلك عند معاينة سوء الحساب والشقوة والخيبة ( وَقَدْ خابَ ) أي خسر ( مَنْ حَمَلَ ظُلْماً ) [ 111 ] أي شركا . [ سورة طه ( 20 ) : آية 112 ] وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً ( 112 ) ( وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ) أي مصدق باللّه ورسوله ( فَلا يَخافُ ظُلْماً ) وهو أن يأخذ رجل من صاحبه فوق حقه ، وقرئ « فلا يخف » « 7 » على معنى النهي ( وَلا هَضْماً ) [ 112 ] وهو أن يكسر من حق أخيه ، ومنه عضم الطعام ، أي لا يخاف عذابا من غير جرم ولا نقص شيء من حسناته .
--> ( 1 ) فتذروها ، وي : فتذرها ، ح . ( 2 ) البالية ، وي : البلية ، ح . ( 3 ) الشفاه ، و : الشفة ، ح ي ؛ وانظر أيضا البغوي ، 4 / 31 . ( 4 ) عن ابن عباس ، انظر البغوي ، 4 / 31 . ( 5 ) من ، و : - ح ي . ( 6 ) لعله اختصره من البغوي ، 4 / 32 . ( 7 ) « فلا يخاف » : قرأ المكي بحذف الألف بعد الخاء وجزم الفاء ، وغيره باثبات الألف ورفع الفاء . البدور الزاهرة ، 208 .