أحمد بن محمود السيواسي
93
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
( قُلْنا ) مقول قول مقدر ، أي قال اللّه قلنا لموسى ( لا تَخَفْ إِنَّكَ ) أي لأنك ( أَنْتَ الْأَعْلى ) [ 68 ] أي الغالب القاهر لهم ( وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ) بالجزم جواب الأمر « 1 » مشددا ومخففا ، وقرئ بالرفع والتخفيف « 2 » حالا مقدرة من « ما » أو من « موسى » ، لأنه سبب التلقف ، أي تلقم ( ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ ) بالتنكير والإفراد ، لأن القصد فيه معنى الجنسية لا العدد وبالألف ، أي عمله ومكره ، وبغير الألف « 3 » ، يعني كيد سحر « 4 » بإضافة الجنس إلى النوع تبيينا كعلم فقه ، و « ما » في « إِنَّما » موصلوة بمعنى الذي صنعوه كيد سحر الساحر ( وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى ) [ 69 ] من الأرض وعمل السحر فيها ، فألقى موسى عصاه فوقع الحق وبطل عملهم ، ( فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً ) أي من سرعة سجودهم كأنهم ألقوا شكرا للّه تعالى على الهداية ، روي : أنهم رأوا الجنة ومنازلهم التي يصيرون إليها فيها في سجودهم « 5 » ، ثم رفعوا رؤوسهم وهم ( قالُوا آمَنَّا ) أي صدقنا ( بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى [ 70 ] قالَ ) لهم فرعون ( آمَنْتُمْ لَهُ ) أي بموسى ( قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ) أي آمركم به ( إِنَّهُ ) أي موسى ( لَكَبِيرُكُمُ ) أي لمعلمكم ( الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ ) وإنما أراد به « 6 » التلبيس على قومه ، لأنه عالم أن موسى ما علمهم السحر ، ثم هددهم بقوله ( فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ) والقطع من خلاف ، أي يقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى ، و « مِنْ » فيه لابتداء الغاية ، أي ابتدأ القطع من مخالفة العضو العضو ( وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ) أي على أصول النخل في شاطئ النيل ، وجاء ب « فِي » ليفيد تمكن المصلوب بالخشبة تمكن المظروف بالظرف ( وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى ) [ 71 ] أي أدوم أنا على أيمانكم بموسى أم رب موسى على ترك الإيمان به من جهة العذاب . [ سورة طه ( 20 ) : آية 72 ] قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا ( 72 ) ( قالُوا ) أي السحرة ( لَنْ نُؤْثِرَكَ ) أي لن نختارك وطاعتك ( عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ ) أي على اللّه ودينه بعد ما جاءنا من الحجج الدالة على صدق موسى وهي اليد البيضاء والعصا ، وكان استدلالهم أنهم قالوا لو كان هذا سحرا فأين حبالك وعصينا ؟ قوله ( وَالَّذِي فَطَرَنا ) أي خلقنا يجوز أن يكون قسما وأن يكون معطوفا على محل « ما جاءَنا » ( فَاقْضِ ) أي احكم فينا ( ما أَنْتَ قاضٍ ) أي الذي « 7 » أنت فيه حاكم من القطع والصلب ( إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا ) [ 72 ] أي إنما تحكم فينا مدة حياتنا فلا جزع . [ سورة طه ( 20 ) : الآيات 73 إلى 74 ] إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى ( 73 ) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى ( 74 ) ( إِنَّا ) أي لأنا ( آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا ) وهي ما علمنا من الشرك ( وَما أَكْرَهْتَنا ) أي ويغفر الذي أكرهتنا ( عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ ) روي : « أن فرعون أكرههم على تعلم السحر وعمله » « 8 » ، وروي : أنهم رأوا موسى
--> ( 1 ) الأمر ، ح ي : للأمر ، و . ( 2 ) « تلقف » : قرأ ابن ذكوان بفتح اللام وتشديد القاف ورفع الفاء ، وقرأ حفص باسكان اللام وتخفيف القاف وجزم الفاء ، والباقون بفتح اللام وتشديد القاف وجزم الفاء ، وشدد البزي التاء وصلا . البدور الزاهرة ، 205 . ( 3 ) « ساحر » : قرأ الأخوان وخلف بكسر السين وإسكان الحاء من غير ألف ، والباقون بفتح السين وألف بعدها وكسر الحاء . البدور الزاهرة ، 205 . ( 4 ) الساحر ، + ح . ( 5 ) قد أخذه المؤلف عن الكشاف ، 4 / 39 . ( 6 ) وإنما أراد به ، ح : وأراد به ، وي . ( 7 ) الذي ، ح ي : - و . ( 8 ) عن الحسن ، انظر البغوي ، 4 / 22 ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 2 / 350 ؛ والكشاف ، 4 / 40 .