أحمد بن محمود السيواسي
90
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
قالوا فيه دليل على جواز رواية الأخبار بالمعنى ، إذ العبرة للمعنى دون اللفظ ، لأن اللّه تعالى حكى معنى واحدا بألفاظ مختلفة ( وَلا تُعَذِّبْهُمْ ) بالأشغال الشاقة ، ثم فسر رسالتهما بقوله ( قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ ) أي حجة على صدقنا وهي اليد والعصا ( مِنْ رَبِّكَ ) فلا تدع الربوبية برؤية الحجة ، إذ الرسالة لا تثبت إلا بحجة ظاهرة ، وإنما وحد « آية » وإن جاءا بآيتين ، لأنهما في حكم المفرد ، لأن الحجة انما تقوم بهما ( وَالسَّلامُ ) المنجي من سخط اللّه ( عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى ) [ 47 ] أي التوحيد . [ سورة طه ( 20 ) : الآيات 48 إلى 50 ] إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ( 48 ) قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى ( 49 ) قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى ( 50 ) ( إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ ) أي عذاب الآخرة على الدوام ( عَلى مَنْ كَذَّبَ ) بالتوحيد وبما جئنا به ( وَتَوَلَّى ) [ 48 ] أي أعرض عنه ( قالَ ) فرعون ( فَمَنْ رَبُّكُما ) الذي أرسلكما إلي ( يا مُوسى ) [ 49 ] خاطبهما أولا ثم خص موسى بالنداء ، لأنه هو الأصل في الرسالة وهارون تعابعه ( قالَ ) موسى ( رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ) أي شكله الذي اقتضاه حكمته وطابق منفعته لا يشاركه فيه غيره كما أعطي العين الهيئة التي يطابق الأبصار ، والأذن الشكل الذي يوافق الأسماع ، وكذلك كل عضو من أعضاء كل حيوان يطابق بما علق به من المنفعة ( ثُمَّ هَدى ) [ 50 ] أي ألهم كل شيء مصلحته كالأكل والشرب والجماع وغير ذلك مع كيفياتها وهو إيماء من موسى إلى الاستدلال على معرفة اللّه وربوبيته . [ سورة طه ( 20 ) : الآيات 51 إلى 52 ] قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى ( 51 ) قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى ( 52 ) ثم قال موسى عن حال من مات من القرون الماضية بأن ( قالَ فَما بالُ ) أي حال ( الْقُرُونِ الْأُولى ) [ 51 ] أي الأمم الماضية مثل قوم نوح وعاد وثمود وهم كانوا عبدة الأوثان وجحدة البعث ، فأجاب بأن هذا سؤال عن الغيب ولا يعلم الغيب إلا اللّه ، وذلك قوله ( قالَ عِلْمُها ) أي علم أحوال القرون ( عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ ) أي مكتوب عنده في اللوح المحفوظ ( لا يَضِلُّ رَبِّي ) عن شيء ، أي لا يخطأه ولا يغيب عنه ( وَلا يَنْسى ) [ 52 ] شيئا ما كالإنسان وغيره فيجازيهم بأعمالهم ، وقيل : إنما رد موسى علم ذلك إلى اللّه لأنه لم يعلم ذلك قبل نزول التورية ونزولها بعد هلاك فرعون وقومه « 1 » . [ سورة طه ( 20 ) : آية 53 ] الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى ( 53 ) ثم قال تعالى لمشركي المكة الرب الذي ذكره موسى لفرعون ( الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً ) أي ذا مهد لكم ولمصالحكم كالمهد للصبي ، ويجوز أن يكون الذي صفة « ربي » ، فيكون الوصف تعريفا لفرعون وقومه ، يعني ربي الذي جعل لكم الأرض قرارا ، أي موضع القرار والسكون ، قرئ « مهادا » « 2 » ، أي فراشا ( وَسَلَكَ ) أي والذي سهل ( لَكُمْ فِيها سُبُلًا ) أي طرقا لتسلكوها ( وَأَنْزَلَ ) أي والذي أنزل ( مِنَ السَّماءِ ماءً ) أي مطرا ( فَأَخْرَجْنا بِهِ ) فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب للإيذان بأنه ملك مطاع يفعل ما يشاء لا أحدا ينازعه في فعله وحكمه ، أي نحن أنبتنا بالمطر ( أَزْواجاً ) أي أصنافا ( مِنْ نَباتٍ شَتَّى ) [ 53 ] أي مختلفة جمع شتيت ، والنبات يعم الواحد والجمع ولذا قال « شتى » ، واختلاف النبات بالنفع والطعم واللون والرائحة والشكل بعضها يصلح للإنسان وبعضها يصلح لغيره من البهائم . [ سورة طه ( 20 ) : آية 54 ] كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى ( 54 ) ( كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ ) أي قائلين « كُلُوا » حال من ضمير « أخرجنا » ، والمعنى أخرجنا أصنافا من النبات
--> ( 1 ) أخذه المصنف عن البغوي ، 4 / 16 . ( 2 ) « مهدا » : قرأ الكوفيون بفتح الميم وإسكان الهاء ، والباقون بكسر الميم وفتح الهاء وألف بعدها . البدور الزاهرة ، 202 .