أحمد بن محمود السيواسي
73
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
[ سورة مريم ( 19 ) : آية 45 ] يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا ( 45 ) ثم ربع دعوته بتخويفه سوء العاقبة بقوله ( يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ ) أي أعلم ( أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ ) قليل ( مِنَ الرَّحْمنِ ) إن أقمت على الكفر ( فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا ) [ 45 ] أي قريبا قرينا في النار ، وجعل ولاية الشيطان أكبر من العذاب كما أن رضوان اللّه أكبر من الثواب . [ سورة مريم ( 19 ) : آية 46 ] قالَ أَ راغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا ( 46 ) ( قالَ ) أبوه آزر توبيخا لإبراهيم ( أَ راغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي ) أي أصارف قلبي أنت عن عبادة الأصنام ( يا إِبْراهِيمُ ) قدم الخبر على المبتدأ للاهتمام ، والأولى كونه مبتدأ و « أَنْتَ » فاعله سد مسد الخبر لئلا يلزم الفصل بين الصفة وما يتعلق بها ، وهو « عَنْ » و « اللّه » ( لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ ) عن مقالتك هذه وسب آلهتنا ( لَأَرْجُمَنَّكَ ) أي لأقتلنك بالحجارة أو لأبعدنك من عندي فاحذروني ( وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا ) [ 46 ] أي فارقني زمانا طويلا سالما مني ولا تكلمني . [ سورة مريم ( 19 ) : آية 47 ] قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا ( 47 ) ( قالَ ) مجيبا له ( سَلامٌ عَلَيْكَ ) سلام مفارقة لا سلام لطف وإحسان ، لأنه ليس بدعاء له كقوله « سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ » « 1 » ( سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ) أي بشرط التوبة والإيمان أو كان وعده بالاستغفار له ما دام حيا ، وقيل : إنما استغفر له بقوله « وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ » « 2 » ، لأنه وعده أن يؤمن « 3 » ، قيل : جاز ذلك قبل ورود السمع ، لأن العقل لا يأباه بدليل قوله « إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ « 4 » » « 5 » ( إِنَّهُ ) أي إن ربي ( كانَ بِي حَفِيًّا ) [ 47 ] أي بليغا في البر واللطف عودني الإجابة لدعائي . [ سورة مريم ( 19 ) : آية 48 ] وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا ( 48 ) ( وَأَعْتَزِلُكُمْ ) أي أترككم ( وَما تَدْعُونَ ) أي « 6 » الذي تعبدونه ( مِنْ دُونِ اللَّهِ ) من الأصنام وأراد بالاعتزال المهاجرة إلى الشام ، فارتحل من كوثى إلى الأرض المقدسة ، ثم قال تواضعا وكسرا للنفس ( وَأَدْعُوا ) أي أعبد ( رَبِّي عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا ) [ 48 ] أي لا يخيبني إذا دعوته ، وفيه تعريض بشقاوتهم بعبادة غيره تعالى . [ سورة مريم ( 19 ) : آية 49 ] فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنا نَبِيًّا ( 49 ) ( فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ ) أي تركهم ( وَما يَعْبُدُونَ ) أي ومعبوديهم ( مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ) أي عوضناه أولادا مسلمين يأنس بهم بدل المشركين المتروكين وبعقوب ولد الولد ( وَكُلًّا ) أي كل واحد من إبراهيم وإسحق ويعقوب ( جَعَلْنا نَبِيًّا ) [ 49 ] أي أكرمناهم بالنبوة ، قيل : « من هاجر في طلب رضاء اللّه أكرمه اللّه في الدنيا والآخرة » « 7 » . [ سورة مريم ( 19 ) : آية 50 ] وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا ( 50 ) ( وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا ) أي من نعمتنا المال والولد والحكم وحذف المفعول ليعم كل خير ديني ودنيوي ( وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا ) [ 50 ] أي ذكرا حسنا في أهل الأديان كلهم ، يعني هم يحبون إبراهيم وأولاده ويعبدون دينه بزعمهم . [ سورة مريم ( 19 ) : آية 51 ] وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا ( 51 ) ثم قال تعالى ( وَاذْكُرْ ) يا محمد ( فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً ) بفتح اللام ، أي معصوما من الكفر
--> ( 1 ) القصص ( 28 ) ، 55 . ( 2 ) الشعراء ( 26 ) ، 86 . ( 3 ) نقله المصنف عن الكشاف ، 4 / 11 . ( 4 ) الممتحنة ( 60 ) ، 4 . ( 5 ) قد أخذه عن الكشاف ، 4 / 11 . ( 6 ) أي ، ي : - ح و . ( 7 ) عن بعض الحكماء ، انظر السمرقندي ، 2 / 325 .