أحمد بن محمود السيواسي
67
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا ) [ 10 ] أي صحيح الخلق من غير خرس ولا مرض ، ف « سَوِيًّا » حال من ضمير زكريا في « تُكَلِّمَ » ، وذكر « الليالي » هنا و « الْأَيَّامُ » في آل عمران « 1 » ليدل على أن المنفي من الكلام استمر به ثلاثة أيام ولياليهن ورجع تلك الليلة إلى امرأته فقربها ، ووقع « 2 » الولد في رحمها فلما أصبح اعتقل لسانه عن كلام الناس فإذا أراد ذكر اللّه انطلق لسانه وكان قومه ينتظرونه ليخرج إلى الصلاة . [ سورة مريم ( 19 ) : آية 11 ] فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ( 11 ) ( فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ ) أي خرج صبيحة حمل امرأته من مسجده متغيرا لونه وحاله فأنكروه صامتا ، وكان من عادته أن يأمرهم بالصلاة ، فقالوا ما لك يا زكريا « 3 » ( فَأَوْحى إِلَيْهِمْ ) أي أشار بإصبعه ، وقيل : « كتب على الأرض » « 4 » ( أَنْ سَبِّحُوا ) أي صلوا للّه ( بُكْرَةً ) أي غدوة ( وَعَشِيًّا ) [ 11 ] وقيل : هو حقيقة التسبيح « 5 » ، فعرف بذلك أنه آية الولد . [ سورة مريم ( 19 ) : آية 12 ] يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ( 12 ) ثم أخبر تعالى أنه وهب له يحيى وقال له « 6 » ( يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ ) أي أوحى إليه ربه خذ التورية ( بِقُوَّةٍ ) أي باجتهاد ومواظبة ( وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ ) أي أجرينا على لسانه في صغره الحكم ، وهو الفهم للتورية والفقه في الدين ، وقيل : « أعطيناه النبوة » « 7 » ( صَبِيًّا ) [ 12 ] أي في حال الصبا وهو ابن ثلاث أو سبع سنين ، فقرأ التورية وهو صغير يحكم بها ، قيل : دعاه الصبيان إلى اللعب فقال ما خلقنا للعب وهو ابن ثلاث سنين « 8 » . [ سورة مريم ( 19 ) : آية 13 ] وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا ( 13 ) ( وَ ) آتيناه ( حَناناً مِنْ لَدُنَّا ) أي رحمة لأبويه وغيرهما ، وأصله الرقة والإشفاق ( وَزَكاةً ) أي وآتيناه صدقة منا على أبويه وأهل زمانه ( وَكانَ تَقِيًّا ) [ 13 ] أي مطيعا لربه ومعرضا عما سواه . [ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 14 إلى 15 ] وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا ( 14 ) وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ( 15 ) ( وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ ) أي محسنا إليهما غير عاص لهما ( وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً ) أي قتالا عند الغضب ولا متكبرا ( عَصِيًّا ) [ 14 ] أي لم يكن عاصيا لربه . ( وَسَلامٌ ) أي السلامة منا ( عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ ) من طعن الشيطان ( وَيَوْمَ يَمُوتُ ) من الشرك ( وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ) [ 15 ] من هول القيامة ، أراد به أنه منعم بالسلامة في هذه الأحوال العظام الولادة والموت والبعث إلى الموقف ، فإنها أوحش الحالات . [ سورة مريم ( 19 ) : آية 16 ] وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا ( 16 ) ثم أمر اللّه تعالى لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم بأن يقرأ عليهم ما أنزل عليه جبرائيل من خبر مريم موافقا لعلمهم ليؤمنوا به وبالقرآن فقال ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ ) أي القرآن ( مَرْيَمَ ) أي خبرها ( إِذِ انْتَبَذَتْ ) أي حين اعتزلت ( مِنْ أَهْلِها ) « إِذِ » بدل من « مَرْيَمَ » بدل اشتمال ، لأن الأحيان مشتملة على ما فيها ( مَكاناً شَرْقِيًّا ) [ 16 ] أي في مكان مما يلي شرقي « 9 » بيت المقدس أو من دارها ، يعني تخلت للعبادة نحو المشرق معتزلة عن الناس ، وقيل : قعدت في مشرقة الشمس في دار أهلها وكان الوقت شتاء تفلي ثيابها أو تغتسل من حيضها « 10 » ، وكان موضعها المسجد
--> ( 1 ) انظر آل عمران ( 3 ) ، 41 . ( 2 ) ووقع : وي : فوقع ، ح . ( 3 ) ثم أخبر تعالى إنه وهب له يحيى وقال له ، + و . ( 4 ) عن ابن عباس ، انظر الكشاف ، 4 / 4 . ( 5 ) لعل المفسر أخذ هذا الرأي عن الكشاف ، 4 / 4 . ( 6 ) ثم أخبر تعالى أنه وهب له يحيى وقال له ، ح ي : - و . ( 7 ) عن ابن عباس ، انظر البغوي ، 3 / 611 ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 2 / 320 . ( 8 ) نقله المؤلف عن السمرقندي ، 2 / 320 . ( 9 ) شرقي ، وي : الشرقي ، ح . ( 10 ) اختصره من البغوي ، 3 / 612 ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 4 / 5 .