أحمد بن محمود السيواسي
56
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
بالذي نسيته أو بنساني ، وهو الترك ، يعني لا تؤاخذني بما تركت وصيتك أول مرة ( وَلا تُرْهِقْنِي ) أي لا تغشني ، من رهقه إذا غشيه أي لا تكلفني ( مِنْ أَمْرِي عُسْراً ) [ 73 ] وأمره اتباعه إياه ، أي لا تعسر على متابعتك ويسرها علي ، فاني أريد صحبتك ولا سبيل لي إليها إلا بالعفو وترك المناقشة ، قيل : « جاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة فقال الخضر لموسى عليهما السّلام ما علمي وعلمك من علم اللّه تعالى إلا ما نقص هذا العصفور من هذا البحر » « 1 » . [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 74 ] فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ قالَ أَ قَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً ( 74 ) ( فَانْطَلَقا ) 74 بعد الخروج من السفينة ( حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ ) عطف على الشرط بالفاء ، أي فقتل عقيب اللقاء غلاما ، اسمه خشنوذ أو حسين ، لم يبلغ الحنث ، وكان قتله بضرب رأسه الحائط ، وقيل : أضجعه وذبحه بالسكين « 2 » ، قيل : إنه طبع كافرا ولو عاش لأرهق أبويه طغيانا وكفرا « 3 » ، وجزاء الشرط ( قالَ ) موسى ( أَ قَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً ) بالألف وبعيرها مشددا « 4 » ، أي لم تذنب قط ، لأنها لم تبلغ الحنث أو مطهرة من الذنوب ، لأنه لم يرها قد أذنبت ( بِغَيْرِ نَفْسٍ ) لم تقتل « 5 » نفسا فتقتص منها ( لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً ) [ 74 ] أي منكرا وهو أعظم من الأمر ، لأنه لا سبيل إلى تداركه بخلاف الأول . [ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 75 إلى 77 ] قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ( 75 ) قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً ( 76 ) فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً ( 77 ) ( قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ) [ 75 ] توبيخ لموسى على ترك الوصية وزيادة « لك » هنا لزيادة العتاب على تركها ، وكان في الأول معذورا « 6 » ، لأن في الأول كانت منه نسيانا « 7 » ، ولذلك ( قالَ ) موسى ( إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها ) أي بعد هذه الكرة أو المسألة ( فَلا تُصاحِبْنِي ) أي لا تكن صاحبي بل أبعدني عنك إن اتبعتك ( قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي ) مخففا ومشددا « 8 » ( عُذْراً ) [ 76 ] أي انتهيته فما أبقيت لي عذرا أعتذر به في صحبتك واتباعك ، لأني لم أحفظ وصيتك ، روي : أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « رحم اللّه أخي موسى استحيى ، فقال ذلك » « 9 » ( فَانْطَلَقا ) أي ذهبا بعد ما شرطا ذلك ( حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ ) وهي أنطاكية أو الأبلة ، وهي أبعد الأرض من السماء ( اسْتَطْعَما أَهْلَها ) أي طلبا منهم الطعام ضيافة ، قيل : لم يسألاهم ولكن نزولهما عندهم كالسؤال منهما « 10 » ( فَأَبَوْا ) أي امتنعوا ( أَنْ يُضَيِّفُوهُما ) أي من تضييفهما يقال ضيفته ، أي أنزلته ضيفا ، قيل : شر القرى التي لا يضاف الضيف فيها ، ولا يعرف لابن السبيل حقه « 11 » ( فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ ) أي يميل إلى أن يسقط ويشارفه ، فالإرادة مجاز هنا ، لأنها ممتنعة عن الجماد لكونها نزوع النفس إلى شيء مع حكم فيه بالفعل أو عدمه ، والإرادة من اللّه هي الحكم « 12 » ، يقال انقض الشيء بمعنى أسرع سقوطه ( فَأَقامَهُ ) الخضر بالإشارة بيده ،
--> ( 1 ) أخذه المصنف عن السمرقندي ، 2 / 307 . ( 2 ) عن سعيد بن جبير ، انظر الكشاف ، 3 / 215 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 3 / 586 - 587 . ( 3 ) وقد نقله عن البغوي ، 3 / 587 . ( 4 ) « زكية » : قرأ الشامي والكوفيون وروح بغير ألف بعد الزاي مع تشديد الياء ، والباقون بألف بعد الزاي مع تخفيف الياء . البدور الزاهرة ، 194 . ( 5 ) تقتل ، ح و : يقتل ، ي . ( 6 ) ما يأت منه ، + و . ( 7 ) لأن في الأول كانت منه نسيانا ، ح ي : - و . ( 8 ) « لدني » : قرأ المدنيان بضم الدال وتخفيف النون ، ولشعبة وجهان : الأول إسكان الدال والثاني اختلاس ضمة الدال وكلا الوجهين مع تخفيف النون ، والباقون بضم الدال وتشديد النون . البدور الزاهرة ، 195 . ( 9 ) انظر الكشاف ، 3 / 216 . ولم أعثر عليه في كتب الأحاديث الصحيحة التي راجعتها . ( 10 ) قد أخذه المؤلف عن السمرقندي ، 2 / 308 . ( 11 ) نقله المفسر عن الكشاف ، 3 / 216 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 3 / 589 . ( 12 ) هي الحكم ، ح ي : أي الحكم ، و .