أحمد بن محمود السيواسي
330
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
حق التأكيد في تأدية المعنى « 1 » أن يتبع المؤكد ، تقديره : سود غرابيب سود حذف الأول وأبقي « 2 » الثاني ليدل عليه وإنما فعل ذلك لزيادة التأكيد في تأدية المعنى الواحد من طريقي الإظهار والإضمار جميعا ، والمعنى : من الجبال ذو جدد بيض وحمر وسود شديد السواد والغرض بيان اختلاف ألوان الجبال كاختلاف ألوان الثمرات . [ سورة فاطر ( 35 ) : آية 28 ] وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ( 28 ) ( وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ ) أي ومنهم بعض مختلف ألوانه فالموصوف محذوف ( كَذلِكَ ) أي كاختلاف ألوان الجبال والثمرات ، محله نصب صفة مصدر محذوف ، أي اختلافا كذلك ، فمن أدرك آثار صنعه واعتبر به وعرف خالقه وعظم قدره يخشاه بالاستدلال بها عليه وعلى صفاته ، فلذلك أتبعه قوله ( إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ ) أي العلماء باللّه دون غيرهم وهم الذين علموه بصفاته وعدله وتوحيده وما يجوز عليه وما لا يجوز ، فعظموه حق عظمته وخشوه حق خشيته ، فمن ازداد علمه به ازداد خوفه منه ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « أعلمكم باللّه أشدكم خشية » « 3 » ، قيل : نزلت في أبي بكر رضي اللّه عنه وقد ظهرت عليه الخشية حتى عرفت فيه « 4 » ، وتقديم اسم اللّه وتأخيره العلماء يدل على أن الذين يخشون اللّه من عباده هم العلماء دون غيرهم ، وإذا انعكس انقلب المعنى إلى أنهم لا يخشون إلا اللّه وهو خلاف الأول ، قوله ( إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ) [ 28 ] تعليل لوجوب الخشية ، أي عزيز على قهر عصاته غفور لذنوب مطيعيه فحقه أي يخشى . [ سورة فاطر ( 35 ) : آية 29 ] إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ ( 29 ) ( إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ ) أي يديمون على تلاوة القرآن ويعملون بما فيه ( وَأَقامُوا الصَّلاةَ ) في مواقيتها ( وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ ) في طاعة اللّه ( سِرًّا وَعَلانِيَةً ) قوله ( يَرْجُونَ تِجارَةً ) خبر « إِنَّ » ، وال « تِجارَةً » طلب الثواب بالطاعة ( لَنْ تَبُورَ ) [ 29 ] أي لن تهلك تلك التجارة في سبيل اللّه . [ سورة فاطر ( 35 ) : آية 30 ] لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ( 30 ) قوله ( لِيُوَفِّيَهُمْ ) متعلق ب « لَنْ تَبُورَ » ، أي لا تكسد بل تنفق « 5 » عند اللّه ليوفيهم بنفاقها عنده ( أُجُورَهُمْ ) وهي ثواب التلاوة والعمل بها سرا وعلانية ( وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ) سوى ثوابها ( إِنَّهُ غَفُورٌ ) لهم ذنوبهم ( شَكُورٌ ) [ 30 ] أي مثيب لأعمالهم . [ سورة فاطر ( 35 ) : آية 31 ] وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ ( 31 ) ( وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ ) أي القرآن ( هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً ) حال مؤكدة ( لِما بَيْنَ يَدَيْهِ ) أي لما تقدمه من الكتب ( إِنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ ) [ 31 ] أي إنه عالم بحقيقة حالك بصير بأفعالك فرآك أهلا من بين العباد بوحي هذا الكتاب المعجز الشاهد على سائر الكتب . [ سورة فاطر ( 35 ) : آية 32 ] ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ( 32 ) ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا ) أي أعطينا ( الْكِتابَ ) أي القرآن بعد الوحي إليك ( الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا ) هم أمتك
--> ( 1 ) في تأدية المعنى ، ي : - ح و . ( 2 ) وأبقي ، وي : وبقي ، ح . ( 3 ) روى البخاري نحوه ، الأدب ، 72 ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 5 / 83 . ( 4 ) قد أخذه المصنف عن الكشاف ، 5 / 83 . ( 5 ) تنفق ، وي : ينفق ، ح .