أحمد بن محمود السيواسي
317
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
ما ذا قالَ رَبُّكُمْ ) في الشفاعة ( قالُوا ) قال ( الْحَقَّ ) أي القول الحق وهو الإذن في الشفاعة لمن ارتضى ، وقيل : « إذا انكشف عن قلوب الكفار عند الموت أو يوم القيامة إقامة للحجة عليهم قالت الملائكة لهم : ماذا قال ربكم في الدنيا ؟ فيقولون : قال الحق فاعترفوا حين لا ينفع الاعتراف لهم » « 1 » ( وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ) [ 23 ] أي ذو العلو والكبرياء ليس لأحد « 2 » أن يتكلم من الأنبياء وغيرهم ذلك اليوم إلا باذنه وأن يشفع إلا لمن ارتضى أو هو أعلى وأكبر من أن يكون له شريك . [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 24 ] قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 24 ) ( قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) أي من المطر والنبات أمر اللّه نبيه عليه السّلام بأن يقررهم بقوله « مَنْ يَرْزُقُكُمْ » ، ثم أمر بأن يجيبهم بقوله ( قُلِ اللَّهُ ) يرزقكم تنبيها لهم على الإقرار بذلك ليعبدوا رازقهم ويعرضوا عن عبادة من لا يقدر على الرزق ( وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) [ 24 ] أي وإن أحد الفريقين من الموحدين اللّه الرازق الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما ومن المشركين به الجماد الذي لا يوصف بالقدرة لعلى هدى أو في ضلال بين « 3 » ، وهذا غاية الإنصاف حيث لم يصرح كونهم على الضلالة يقينا تأدبا ، فان كل من سمعه يقول لمن خوطب بمثل هذا الكلام المنصف قد أنصفك صاحبك ، وهذا النوع أدعى إلى الإيمان ، قوله « أَوْ إِيَّاكُمْ » عطف على اسم « إِنَّا » قبله ، وخبره محذوف لدلالة خبر « إن » عليه وهو « لَعَلى هُدىً » ، وقوله « أَوْ فِي ضَلالٍ » عطف على الخبر ، وحقيقة معناه : إنا راكبون على الهداية يقينا لأنا عارفون رازقنا بالتوحيد وأنتم منغمسون في الضلالة يقينا لجهلكم وإشراككم به غيره . [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 25 ] قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( 25 ) ثم أوضح ذلك المعنى الحقيقي بقوله ( قُلْ لا تُسْئَلُونَ عن ما أَجْرَمْنا ) أي اكتسبنا من الذنوب هي الصغائر والزلات التي لا يخلو منها مؤمن ( وَلا نُسْئَلُ عن ما تَعْمَلُونَ ) [ 25 ] من الكفر والكبائر ، بل كل مطالب بعمله ، وقيل : هذا نسخ بآية السيف « 4 » . [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 26 ] قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ ( 26 ) ( قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ) يوم القيامة ( ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا ) أي يقضى بيننا وبينكم ( بِالْحَقِّ ) أي بالعدل ( وَهُوَ الْفَتَّاحُ ) أي الحاكم بالعدل ( الْعَلِيمُ ) [ 26 ] بما يحكم على الخلق ، قيل : فتحه بينهم حكمه أنه يدخل هؤلاء الجنة وأولئك النار « 5 » . [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 27 ] قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ كَلاَّ بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 27 ) ( قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ ) أي أشركتموهم مع اللّه تعالى في العبادة ، وإنما أمره بأن يقول أروني شركاءكم والحال أن النبي عليه السّلام كان يرى شركاءهم ويعرفهم ، لأنه أراد من طلب « 6 » إراءتهم تلك إظهار خطئهم العظيم في إلحاق الشركاء باللّه وعبادتهم مع جمادتهم وعجزهم وأن يطالعهم بأعينهم على إحالة القياس ، أعنى قياس الأصنام إليه تعالى والإشراك به ، قوله ( كَلَّا ) ردع لهم عن مذهبهم بعد إبطال قياسهم ، وقوله ( بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) [ 27 ] تنبيه على تفاحش غلطهم في القياس حيث لم يقدروا اللّه حق قدره ، فكأنه قال أين شركاؤكم باللّه من هذه الصفات العظام ، قوله « هُوَ » يرجع إلى اللّه وحده أو « هو » ضمير الشأن كما في « قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ » « 7 » ، أي هو العزيز في ملكه لا شريك له فيه الحكيم في أمره لا معقب لحكمه « 8 » .
--> ( 1 ) ذكره الحسن وابن زيد ، انظر البغوي ، 4 / 507 . ( 2 ) لأحد ، ح و : - ي . ( 3 ) بين ، وي : مبين ، ح . ( 4 ) وهذا الرأي منقول عن القرطبي ، 14 / 299 ؛ وانظر أيضا هبة اللّه بن سلامة ، 75 ؛ وابن الجزي ، 48 ؛ وابن البارزي ، 45 - 46 . ( 5 ) أخذ المؤلف هذا الرأي عن الكشاف ، 5 / 67 . ( 6 ) طلب ، وي : الطلب ، ح . ( 7 ) الإخلاص ( 112 ) ، 1 . ( 8 ) لحكمه ، وي : في حكمه ، ح .