أحمد بن محمود السيواسي

315

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

[ سورة سبإ ( 34 ) : آية 17 ] ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ ( 17 ) ( ذلِكَ ) أي الجزاء ( جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ ) [ 17 ] بضم الياء وفتح الزاء ورفع « الكفور » ، أي لا يستحق مثل ذلك الجزاء إلا الكافر وهو العقاب العاجل ، وبالنون المضمومة والزاء المكسورة ونصب « الكفور » « 1 » مفعولا إخبار منه تعالى عن نفسه ، فالمجازاة هنا بمعنى المعاقبة لا بمعنى المعادلة . روي : أن بلقيس لما ملكت على سبأ واختصم القوم على ماء واديهم ، وكان يأتيهم السيل من بعيد فيؤذيهم سدت بلقيس ما بين الجبلين بسد فيه أبواب بعضها فوق بعض ، وجعلت بركة لها اثنا عشر مخرجا كعدد أنهارهم التي يسقون بها بساتينهم فأخصبت بلادهم وكثرت نعمهم ، فماتت بلقيس وهم في ذلك الخير فبعث إليهم الأنبياء ، فذكروهم نعم اللّه عليهم وخوفوهم عقابه ، فقالوا ما نعرف علينا نعمة فجاء الخلد ودخل بين الحجرتين فخرب السد من داخله وهم لا يعلمون « 2 » . [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 18 ] وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ ( 18 ) قوله ( وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها ) نزل للإخبار عن حالهم الثانية وهي حال توبتهم « 3 » ، يعني لما هلكت أموالهم قالوا نحن نتوب إلى اللّه ويرد علينا خيرنا فرد اللّه عليهم خيرا كثيرا من ذلك فكفروا نعمته ثانيا فعذبهم اللّه ثانيا أشد من ذلك فأخبر بقوله « وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ » ، وهم أهل اليمن وبين القرى التي باركنا فيها وهي قرى الشام بالمياه والأشجار والثمار والخصب ( قُرىً ظاهِرَةً ) لأعين الناظرين متواصلة يرى بعضها من بعض لتقاربها ( وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ ) أي سيرهم على قدر مقيلهم ومبيعهم ، أي كان الغادي يقيل في قرية والرائح يبيت في قرية إلى أن يبلغ الشام لا يحتاجون إلى ماء ولا زاد ، وقلنا لهم ( سِيرُوا فِيها ) لمصالحكم ( لَيالِيَ وَأَيَّاماً ) أي إن شئتم بالليل وإن شئتم بالنهار لا تفاوت في سيركم باختلاف الأوقات « 4 » أو المعنى : سيروا وإن تطاولت مدة سفركم أياما وليالي ( آمِنِينَ ) [ 18 ] من العدو والجوع والعطش والسباع ، ولا قول ثمة حقيقة ولكن التمكين للسير حاصل لهم بتسوية أسبابه لهم ، فكأنهم أمروا به فطغوا بسبب كثرة النعمة وملوا العافية فطلبوا التعب والكد . [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 19 ] فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ( 19 ) ( فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ ) بالألف ، وقرئ « بعد » بالتشديد « 5 » ( بَيْنَ أَسْفارِنا ) أي اجعل بيننا وبين الشام مفاوز ، قيل : تمنوا ذلك ليركبوا الرواحل فيها ويتزودوا الأزواد فعجل اللّه لهم بالإجابة « 6 » ( وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ) بترك شكر نعمة اللّه وجحدها ( فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ ) لمن بعدهم يتحدثون بهم ويتعجبون من أحوالهم ( وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ) أي فرقناهم تفريقا في أقطار الأرض بحيث لا يجتمع منهم اثنان في مكان واحد ( إِنَّ فِي ذلِكَ ) أي في تفريقهم وإهلاكهم ( لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ ) على الطاعات وعن المعاصي و « 7 » ( شَكُورٍ ) [ 19 ] للنعم .

--> ( 1 ) « وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ » : قرأ المدنيان والمكي والبصري والشامي وشعبة بياء مضمومة في مكان النون وفتح الزاي وألف بعدها ورفع راء « الكفور » ، والباقون بنون مضمومة وكسر الزاي وياء ساكنة مدية بعدها ونصب راء « الكفور » . البدور الزاهرة ، 260 . ( 2 ) ولم أجد له أصلا في المصادر التفسيرية التي راجعتها . ( 3 ) ولم أجد له مرجعا في المصادر التفسيرية التي راجعتها . ( 4 ) الأوقات ، وي : أوقات ، ح . ( 5 ) « رَبَّنا باعِدْ » : قرأ المكي والبصري وهشام بنصب باء « ربنا » وبحذف الألف بعد باء « باعد » مع تشديد العين مكسورة وإسكان الدال على أنه فعل أمر ، ويعقوب برفع باء « ربنا » وباثبات الألف بعد باء « باعد » مع فتح العين مخففة وفتح الدال على أنه ماض ، والباقون بنصب باء « ربنا » وباثبات الألف بعد باء « باعد » مع كسر العين مخففة وإسكان الدال على أنه فعل أمر أيضا . البدور الزاهرة ، 260 . ( 6 ) قد أخذه عن الكشاف ، 5 / 65 . ( 7 ) و ، ي : - ح و .