أحمد بن محمود السيواسي

309

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

عنكم سيئاتكم ( وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً ) [ 71 ] أي نال عنده غاية مطلوبه ، ولما قال ومن يطع اللّه ورسوله وعلق بالطاعة الفوز العظيم أتبعه قوله ( إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ ) وهي الطاعة فعظم أمرها وفخم شأنها ، وقيل : الأمانة كل ما افترض على العباد من صلاة وصيام وزكاة وأداء دين وكتم الأسرار « 1 » ، وقيل : الوفاء بالعهود « 2 » ، فعرضت الأمانة بما فيها على هذه الأجرام العظام يعني ( عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ ) عرض تخيير فقلن مستفهمات وما فيها ، فقيل : إن أحسنتن جوزيتن بالثواب وإن عصيتن عوقبتن « 3 » ، وقيل : إنه تمثيل والممثل به في الآية مفروض لا محقق والمفروضات يتخيل في الذهن كالمحققات ، يعني مثلت حال التكليف في صعوبته وثقل محمله بحاله المفروضة لو عرضت على هذه الأجرام العظام الجمادات « 4 » ( فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها ) لعظم ذلك التكليف وثقل محمله مع جماديتها ( وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ ) فيكون العرض والإباء والإشفاق مجازا من فرض إرادة التكليف منها وامتناعها من صعوبته وتجهيلا للإنسان حيث عرضت الأمانة عليه وحملها مع ضعفه من غير وفاء لها ، والمراد منه آدم أو الكافر أو الجنس ( إِنَّهُ ) أي إن الإنسان ( كانَ ظَلُوماً ) لنفسه عاصيا لربه لكونه تاركا لأداء الأمانة التي تحملها من ربه ( جَهُولًا ) [ 72 ] لما افترض عليه ولعاقبة تركه مخطئا عما يسعده مع تمكنه منه وهو أداؤها مع كونه حيوانا عاقلا صالحا للتكليف ، وقيل : إن هذه الأجرام العظام عند الأمانة ركب فيها عقل فاقتضى حالها ذلك « 5 » ، وقيل : أريد منها أهلها فلا يكون تمثيلا ويكون الإباء والإشفاق حقيقة « 6 » ، واللام في ( لِيُعَذِّبَ اللَّهُ ) تعليل لعرض الأمانة ، أي عرضها للإنسان ليعذب اللّه ( الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ ) وهم الذين خانوا الأمانة ولم يفوا بها ( وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ) أي وليتوب على من وفى بها من أهل الإيمان ، يعني يقبله ويثيب عليه ، فالمعنى : أن عرض الأمانة منه تعالى ليظهر شقاوة هؤلاء وسعادة هؤلاء ( وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً ) لمن تاب ( رَحِيماً ) [ 73 ] لمن أطاع .

--> ( 1 ) ذكر ابن مسعود نحوه ، انظر البغوي ، 4 / 492 . ( 2 ) نقله عن البغوي ، 4 / 492 . ( 3 ) أخذ المصنف هذا المعنى عن البغوي ، 4 / 492 . ( 4 ) اختصره المؤلف من الكشاف ، 5 / 57 . ( 5 ) نقل المؤلف هذا الرأي عن البغوي ، 4 / 492 . ( 6 ) اختصره من البغوي ، 4 / 492 - 493 ؛ والكشاف ، 5 / 57 .