أحمد بن محمود السيواسي
295
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
رياء وسمعة ورميا بالحجارة والنبال ليقيموا عذرهم . [ سورة الأحزاب ( 33 ) : آية 21 ] لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ( 21 ) ثم قال تعالى ( لَقَدْ كانَ لَكُمْ ) أيها المنافقون ( فِي رَسُولِ اللَّهِ ) أي في نفسه ( أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) بضم الألف وكسرها « 1 » ، أي قدوة من حقها أن يؤتسى بها ويقتدى وهي المواساة لأنه واساكم في القتال بنفسه حتى كسرت رباعيته وجرح وجهه فلم لا تقتدون به وبفعله ولا تصبرون معه ، قوله ( لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ ) بدل من « لكم » ، أي يرجو فضل اللّه أو يخاف حسابه ( وَ ) يرجو ( الْيَوْمَ الْآخِرَ ) الذي هو يوم اللّه ورحمته ( وَذَكَرَ اللَّهَ ) ذكرا ( كَثِيراً ) [ 21 ] في جميع أوقاته وأحواله باللسان والقلب . [ سورة الأحزاب ( 33 ) : آية 22 ] وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلاَّ إِيماناً وَتَسْلِيماً ( 22 ) ( وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ ) واجتماعهم عليهم ، ثم رأوا تزلزلهم واضطرابهم وخوفهم الشديد ورحيلهم منهزمين ( قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ ) في سورة البقرة ( وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ) من النصر ودخول الجنة لقوله تعالى « أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ » إلى قوله « أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ » « 2 » ، فأيقنوا بالجنة والنصر ( وَما زادَهُمْ ) الخوف عن مجيء الأحزاب ( إِلَّا إِيماناً ) باللّه وبمواعيده ( وَتَسْلِيماً ) [ 22 ] لقضائه وقدرته . [ سورة الأحزاب ( 33 ) : آية 23 ] مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ( 23 ) قوله ( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ) الآية نزل في رجال من الصحابة نذروا وعاهدوا اللّه ليقاتلن ولينصرن دينه إذا لقوا حزبا وهم مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتى يستشهدوا ، وهم عثمان وطلحة وسعيد وأنس وحمزة ومصعب « 3 » ، فوفوا ( ما عاهَدُوا اللَّهَ ) أي فيما عاهدوا ( عَلَيْهِ ) يقال صدقك فلان إذا وفي بما عاهد عليك وكذبك فلان إذا نكث عهده ( فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ ) أي مات كحمزة ومصعب وأنس ( وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ) الموت كعثمان وطلحة ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من أحب أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة » « 4 » ، والنحب النذر في الأصل ثم استعملوا للموت ، لأن كل حي لا بد له منه فكأنه نذر لازم في رقبته فإذا مات فكأنه وفي نذره ، وقيل : قضى نحبه يحتمل موته شهيدا ويحتمل وفاءه بنذره الثبات مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « 5 » ( وَما بَدَّلُوا ) أي ما أظهروا تغييرا لعهدهم لا المستشهد ولا المنتظر للشهادة ، وفيه تعريض لمن بدلوا من أهل النفاق والشك ( تَبْدِيلًا ) [ 23 ] أي تغييرا ما . [ سورة الأحزاب ( 33 ) : آية 24 ] لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ( 24 ) ( لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ ) لام كي يتعلق بقوله « وَما بَدَّلُوا » ( بِصِدْقِهِمْ ) أي بجزاء وفائهم بالعهد ( وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ ) أي ليعذبهم ( إِنْ شاءَ ) إذا لم يتوبوا ( أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ) إذا تابوا فيهديهم إلى الإيمان ( إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ) [ 24 ] لمن تاب عن الكفر والنفاق وأطاعه ورسوله . [ سورة الأحزاب ( 33 ) : الآيات 25 إلى 26 ] وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً ( 25 ) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً ( 26 )
--> ( 1 ) « أسوة » : ضم عاصم الهمزة وكسرها غيره . البدور الزاهرة ، 255 . ( 2 ) انظر البقرة ( 2 ) ، 214 . ( 3 ) نقله عن الكشاف ، 5 / 39 . ( 4 ) انظر الكشاف ، 5 / 39 . ولم أعثر عليه بهذا اللفظ في كتب الأحاديث الصحيحة التي راجعتها . وروى البخاري في صحيحه في باب الزكاة ( 1 ) : « من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا » . ( 5 ) قد أخذ المؤلف هذا المعنى عن الكشاف ، 5 / 39 .