أحمد بن محمود السيواسي
291
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
يشاء « 1 » وينفذ حكمه عليهم من حكم أنفسهم ، لأنه أشفق عليهم وأحب إليهم من أنفسهم ، فإذا رأى لهم رأيا ، فذلك أولى وأحسن لهم من رأيهم فيجب أن يجعلوها فداءه إذا أعضل خطب ويتبعوا إلى ما دعاهم إليه ولا يتبعوا إلى ما تدعوهم « 2 » إليه أنفسهم ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما من مؤمن إلا أنا أولى به في الدنيا والآخرة » « 3 » ، أي في الشفقة والمرحمة من أنفسهم ومن آبائهم « 4 » ، وقيل : من لم ير نفسه في ملك الرسول لم يذق حلاوة سنته « 5 » ( وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ ) أي أزواج النبي عليه السّلام مثل أمهاتهم في تحريم نكاحهن وحرمتهن دون النظر والخلوة والميراث ، فإنهن في ذلك كالأجنبيات ، ولذلك لم يتعد هذا التحريم إلى بناتهن فلا يقال لبناتهن أخوات المؤمنين ولا لإخوانهن وأخواتهن إخوان المؤمنين ولا خالاتهن ، وأيضا هن أمهات الرجال لا أمهات النساء لقول عائشة رضي اللّه عنها « لست بأم نسائكم وإنما أنا أم الرجال » « 6 » ، قوله ( وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ ) نزل حين كان النبي عليه السّلام يؤاخى بين الرجلين ، فإذا مات أحدهما ورثه الباقي منهما دون عصبته وأهله « 7 » ، وطال ذلك ما شاء اللّه ، ثم نسخ بذلك « 8 » ، أي ذووا القرابات أحق بالميراث ( فِي كِتابِ اللَّهِ ) أي في اللوح أو فيما أوحى اللّه إلى النبي عليه السّلام وهو هذه الآية ، وقوله ( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ ) جاز أن يكون بيانا ل « أولي الأرحام » ، أي الأقرباء من هؤلاء بعضهم « 9 » أولى « 10 » بأن يرث بعضا من الأجانب وجاز أن يتعلق ب « أَوْلى » ، ويكون « مِنْ » لابتداء الغاية ، أي وأولو الأرحام بحق القرابة « 11 » أولى بالميراث من المؤمنين بحق الولاية في الدين ومن المهاجرين بحق الهجرة ، قوله ( إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ ) أي إلا أن توصلوا إلى الذين يوالونكم ويؤاخونكم من المؤمنين والمهاجرين للولاية في الدين ( مَعْرُوفاً ) استثناء منقطع لإباحة الوصية للأجانب ، أي الأقارب أحق بالميراث من الأجانب ، لكن فعل الوصية أولى للأجانب من الأقارب لأنه لا وصية لوارث ، والمراد من المعروف الوصية بثلث المال لا بما زاد عليه ( كانَ ذلِكَ ) أي المذكور في الآيتين جميعا ( فِي الْكِتابِ ) أي في اللوح ( مَسْطُوراً ) [ 6 ] ويجوز أن يكون المشار إليه نسخ الميراث بالهجرة والمؤاخاة « 12 » . [ سورة الأحزاب ( 33 ) : آية 7 ] وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً ( 7 ) ( وَإِذْ أَخَذْنا ) أي اذكر حين أخذنا ( مِنَ النَّبِيِّينَ ) عند إخراجهم من ظهر آدم كأمثال الذر ( مِيثاقَهُمْ ) أي عهدهم بأن يعبدوا اللّه ويدعوا الناس إلى عبادته ويصدق بعضهم بعضا ، ثم خص محمدا عليه السّلام بالذكر مع جماعة من الأنبياء ، وقدمه تشريفا له ولبيان أنه أفضل الأنبياء ، لأنهم أهل الشرائع عليهم السّلام فقال ( وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ ) أي وأخذنا منك ومن نوح ( وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً ) [ 7 ] أي جليل الشأن وعظيمه في بابه وهو العهد القديم الذي بعث عليه نوح ومن بعده وبعث عليه محمد خاتم الأنبياء ، وقيل : هو اليمين باللّه على الوفاء بما حملوا « 13 » ، وإنما قدم نبينا على نوح ومن بعده عليهم السّلام لبيان أنه أفضل الأنبياء عليهم السّلام . [ سورة الأحزاب ( 33 ) : آية 8 ] لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً أَلِيماً ( 8 ) قوله ( لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ ) تعليل لأخذ ميثاقهم ، أي أخذ اللّه ميثاقهم « 14 » عند الخطاب السابق
--> ( 1 ) يشاء ، وي : شاء ، ح . ( 2 ) تدعوهم ، وي : يدعوهم ، ح . ( 3 ) أخرجه البخاري ، الاستقراض ، 11 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 4 / 433 ؛ والكشاف ، 4 / 35 . ( 4 ) آبائهم ، ح ي : أوليائهم ، و . ( 5 ) ولم أجد له أصلا في المصادر التي راجعتها . ( 6 ) انظر البغوي ، 4 / 434 . ( 7 ) عن الكلبي ، انظر البغوي ، 4 / 434 . ( 8 ) هذا مأخوذ عن السمرقندي ، 3 / 38 . ( 9 ) بعضهم ، ح : - وي . ( 10 ) أولى ، وي : - و . ( 11 ) القرابة ، و : القرابات ، ح ي . ( 12 ) نقله المؤلف عن البغوي ، 4 / 434 . ( 13 ) أخذه المفسر عن الكشاف ، 5 / 36 . ( 14 ) أي أخذ اللّه ميثاقهم ، وي : - ح .