أحمد بن محمود السيواسي

287

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

لا يعلمه إلا هو ( جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ) [ 17 ] من الخير هنا ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم حكاية عن اللّه تعالى : « أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر » « 1 » . [ سورة السجدة ( 32 ) : آية 18 ] أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ ( 18 ) قوله « 2 » ( أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً ) الإفراد فيه محمول « 3 » على لفظ « من » ، وقوله ( لا يَسْتَوُونَ ) [ 18 ] جمع ، محمول على معناها ، أي لا يستوون عند اللّه ، وفيما أعد لهم يوم القيامة . [ سورة السجدة ( 32 ) : آية 19 ] أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى نُزُلاً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 19 ) ثم بين التفاوت « 4 » بينهما فقال ( أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ ) استحقاقا وتكرما من اللّه تعالى ( جَنَّاتُ الْمَأْوى ) سميت به لأن أرواح الشهداء تأوي إليها ، نزل في علي رضي اللّه عنه والوليد بن عقبة لما قال لعلي : اسكت فإنك صبي حين وقع بينهما كلام في بدر ، وقال : أنا أجلد منك جلدا وأحد منك سنانا وأشجع منك جنانا وأدرب منك لسانا ، فقال علي : اسكت فإنك فاسق « 5 » ، فعمهما ومن في مثل حالهما قوله ( نُزُلًا ) مصدر ، والمراد ما يعد للضيف عند نزوله ثم صار عاما للعطاء ( بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ) [ 19 ] أي بسبب أعمالهم الصالحة . [ سورة السجدة ( 32 ) : الآيات 20 إلى 21 ] وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ( 20 ) وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 21 ) ( وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا ) أي أشركوا باللّه ( فَمَأْواهُمُ النَّارُ ) مكان جنة المأوى للمؤمنين ( كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها ) أي من النار ( أُعِيدُوا فِيها ) أي تضربهم الزبانية بمقامع من نار فتهوي بهم إلى قعرها ( وَقِيلَ ) أي يقولون ( لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ ) أي بعذابها ( تُكَذِّبُونَ [ 20 ] وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى ) أي الأقرب وهو عذاب الدنيا من القتل والأسر والجدب سبع سنين والأمراض ( دُونَ ) أي قبل ( الْعَذابِ الْأَكْبَرِ ) وهو عذاب النار أو الأدنى عذاب القبر والأكبر النار ، والمعنى : إنا نذيقهم عذاب الدنيا قبل أن يصلوا إلى عذاب الآخرة ( لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) [ 21 ] أي يتوبون على الكفر باختيارهم إذا أراد اللّه ذلك أو من بقي منهم . [ سورة السجدة ( 32 ) : آية 22 ] وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ ( 22 ) ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ ) أي وعظ ( بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها ) أي عن الآيات ، وجيء ب « ثم » للإيذان أن الإعراض عن الآيات بعد وضوحها وإرشادها إلى السبيل مستبعد في العقل ( إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ ) كلهم ( مُنْتَقِمُونَ ) [ 22 ] أي منتصرون ولم يقل إنا منه ، لأنه لما جعله أظلم الظلمة ثم توعد للمجرمين عامة بالانتقام فقد دل على أن نصيب الأظلم من الانتقام هو النصيب الأوفر منه فلو قال منه لم يفد هذه الفائدة . [ سورة السجدة ( 32 ) : آية 23 ] وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ ( 23 ) ( وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ ) أي التورية ( فَلا تَكُنْ ) يا محمد ( فِي مِرْيَةٍ ) أي في شك ( مِنْ لِقائِهِ ) أي من لقاء « 6 » الكتاب ، المعنى : آتينا موسى الكتاب « 7 » ولقيناه فلا تكن في شك من أنك لقيت مثله من الوحي لا من غيره أو لا تشك يا محمد من لقاء موسى التورية فانا ألقينا عليه التورية ولقناه تلك كلها ( وَجَعَلْناهُ ) أي جعلنا « 8 » الكتاب المنزل على موسى ( هُدىً ) لقومه ، أي جعل ( لِبَنِي إِسْرائِيلَ ) [ 23 ] خاصة دون بني إسماعيل ، لأنهم كانوا على دين إبراهيم دون موسى .

--> ( 1 ) انظر السمرقندي ، 3 / 31 . ( 2 ) قوله ، وي : - ح . ( 3 ) محمول ، ح : - وي . ( 4 ) التفاوت ، وي : المتوافت ، ح . ( 5 ) عن ابن عباس ، انظر الواحدي ، 292 ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 3 / 31 . ( 6 ) أي من لقاء ، و : - وي . ( 7 ) الكتاب ، و : - وي . ( 8 ) أي وجعلنا ، و : ح ي .