أحمد بن محمود السيواسي

279

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

وقد مرت القصة « 1 » ، ثم قال لقمان لابنه حين قال « يا أبي » : « إن عملت الخطيئة حيث لا يراني أحد كيف يعلمها اللّه ؟ » « 2 » ( يا بُنَيَّ إِنَّها ) أي إن الخطيئة التي تعمل أو الهنة وهي الشيء اليسير من العمل أي عمل كان ( إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ ) بالنصب ف « كان » ناقصة ، أي إن تك السيئة أو الحسنة قدر مثقال حبة ( مِنْ خَرْدَلٍ ) أي زنة حبة من حب الخردل ، والرفع ف « كان » تامة « 3 » ، وأنث ال « مثقال » لإضافتها إلى الحبة أو بمعنى الحسنة أو السيئة ، خاطب به ابنه للتهديد فقال : يا بني لو كان عملك أصغر شيء كحبة الخردل ( فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ ) أي في أخفى موضع كجوف صخرة ما في الماء لأن الحبة في الصخرة أخفى منها في الماء أو في الصخرة التي هي تحت الأرض ، وهي السجين فيها كتب أعمال الكفار ( أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ ) أي في العالم العلوي أو السفلي ( يَأْتِ بِهَا ) أي بتلك الهنة « 4 » ( اللَّهُ ) يوم القيامة فيجازى بها عاملها ( إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ ) يتوصل علمه إلى كل خفي ( خَبِيرٌ ) [ 16 ] أي عالم بكنهه وبمكانه لا يفوته شيء . [ سورة لقمان ( 31 ) : آية 17 ] يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ( 17 ) ( يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ ) أي بالخير ( وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ ) أي عن الشرك وابدأ بنفسك ( وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ ) من الأذى ممن تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر ، ويجوز أن يكون عاما في كل ما يصيبه من المحن ( إِنَّ ذلِكَ ) أي الذي ذكر من الأوامر ( مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ) [ 17 ] أي مما عزمه اللّه عزم إيجاب وإلزام ، يعني قطعه قطع الفرض والوجوب ، يقال هذا عزمة الملك إذا لم يكن للمعزوم عليه بد من فعله ، أي لم يجز تركه . [ سورة لقمان ( 31 ) : آية 18 ] وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ ( 18 ) ( وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ ) بالتشديد وبالألف مع التخفيف « 5 » ، أي لا تعرض عن الناس وجهك تجبرا ، من الصعر وهو داء يصيب البعير يلوي به عنقه ، المعنى : أقبل على الناس بوجهك تواضعا ولا تولهم بشق وجهك عند السّلام وغيره كما يفعله المتكبرون ( وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً ) أي مشي مرح أو مصدر في موضع الحال ، أي مرحا أشرا أو مفعول له ، أي لأجل المرح ، يعني لا يكن غرضك البطر والأشر كمشي أصحابك لبطالة لا لكفاية مهم ديني أو دنيوي ( إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ ) أي متبختر في مشيته ( فَخُورٍ ) [ 18 ] على الناس . [ سورة لقمان ( 31 ) : آية 19 ] وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ( 19 ) ( وَاقْصِدْ ) أي اعدل ( فِي مَشْيِكَ ) حتى يكون مشيا بين مشيين ، أي بين الإسراع والدبيب ، يعني لا تمش كمشي الشطار ولا كمشي الزاهد المتماوت ، وعليك الوقار والسكينة ( وَاغْضُضْ ) أي انقص ( مِنْ صَوْتِكَ ) واخفضه ، في محل الخطاب ولا تجهر به إلا في الإرهاب للعدو ، قوله ( إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ ) من باب ضرب المثل بما هو المعروف بين الناس ، أي أوحشها وأقبحها ( لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ) [ 19 ] المعروف بالقبح عندكم ، لأن أوله زفير وآخره شهيق كصوت أهل النار وذكر الحمير فيه مبالغة في الذم والتهجين « 6 » والترغيب عن رفع الصوت وتنبيه على أنه مما يكرهه اللّه تعالى أشد كراهة ، والمراد بصوت الحمير صوت هذا الجنس لا صوت كل أحد من آحاد هذا الجنس حتى يجمع . [ سورة لقمان ( 31 ) : آية 20 ] أَ لَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ ( 20 )

--> ( 1 ) انظر سورة العنكبوت ( 29 ) ، 8 . ( 2 ) انظر البغوي ، 4 / 411 . ( 3 ) « مثقال » : قرأ المدنيان برفع اللام ، والباقون بنصبها . البدور الزاهرة ، 251 . ( 4 ) الهنة ، وي : الهيئة ، ح . ( 5 ) « وَلا تُصَعِّرْ » : قرأ نافع وأبو عمرو والأخوان وخلف بألف بعد الصاد وتخفيف العين ، والباقون بحذف الألف وتشديد العين . البدور الزاهرة ، 251 . ( 6 ) التهجين ، ح و : التهجير ، ي .