أحمد بن محمود السيواسي
258
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
( وَعاداً وَثَمُودَ ) أي أهلكناهما يدل عليه قوله « 1 » « فأخذتهم الرجفة » ( وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ ) أي ظهر لكم يا كفار مكة نزول العذاب عليهم ( مِنْ مَساكِنِهِمْ ) إذا نظرتم إليها في أسفاركم ، يعني ظهر لكم آية في هلاكهم فاتقوا اللّه من عذابه ولا تشركوا به شيئا ( وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ ) أي ضلالتهم ( فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ ) أي صرفهم عن الدين ( وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ ) [ 38 ] أي والحال أن عادا وثمود وقومهما كانوا ذوي بصيرة عقلاء متمكنين من النظر والافتكار ، ولكنهم لم يفعلوا بل جحدوا فهلكوا أو كانوا مستبصرين معجزين في نفوسهم بدينهم ويحسبون أنهم مهتدون وهم مبطلون . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 39 ] وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَما كانُوا سابِقِينَ ( 39 ) ( وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ ) أي أهلكناهم ( وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ) أي بالعلامات الواضحة ( فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ ) عن الإيمان ( وَما كانُوا سابِقِينَ ) [ 39 ] أي فائتين عذابنا ، لأن أمرنا أدركهم فلم يفوتوه . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 40 ] فَكُلاًّ أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 40 ) ( فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ ) لا بذنب غيره ، نصب ب « أَخَذْنا » مقدرة قبله ( فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً ) يعني قوم لوط وهي ريح عاصف فيها حصباء ، أي حجارة ، وقيل : ملك كان يرميهم بها « 2 » ( وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ ) وهي كانت لمدين وثمود ( وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ ) والخسف كان لقارون وأتباعه ( وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا ) والغرق كان لقوم « 3 » نوح وفرعون ( وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ) أي لم يعذبهم بلا جرم ( وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) [ 40 ] بجرمهم ليستوجبوا العقوبة . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 41 ] مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ( 41 ) قوله ( مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ ) « 4 » مثل للأصنام وعابديها ، شبه الأصنام ببيت العنكبوت وحال عابديها ، وهي اتخاذهم عبادة الأصنام معتمدا عليه في دينهم بحال العنكبوت في الوهن وضعف القوة وهي نسجها وعدم النفع ، أي كما لا ينفع العنكبوت بيتها من حر وبرد لا ينفع عابدي الأصنام تلك ثم ، قوله ( اتَّخَذَتْ بَيْتاً ) نصب على الحال من « الْعَنْكَبُوتِ » ، ويجوز أن يكون وصفا لها بزيادة الألف واللام فيها ، وليس المراد تشبيه ذواتهم بالعنكبوت بدليل « 5 » مقطع التشبيه بعده ، وهو قوله ( وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ ) فلو أريد تشبيه الذوات لقال « 6 » وإن أوهن الحيوانات لنفس العنكبوت ( لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ) [ 41 ] الظاهر أنه نفي لعلمهم أن أوهن البيوت لبيت العنكبوت مع أن كل أحد يعلم وهن بيت العنكبوت ، ولكن في الحقيقة نفي لمعلومهم في زعمهم أن دينهم خير الأديان ، أي إذا صح أن أوهن البيوت بيت العنكبوت فقد ظهر أن دينهم أوهن الأديان لو كانوا يعلمون ذلك ، وقيل : معناه لا يعلمون أن هذا الاتخاذ مثلهم « 7 » . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 42 ] إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 42 ) ( إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ ) بالياء وبتاء الخطاب باضمار القول « 8 » ، أي قل لهم إن الذي تعبدونه ( مِنْ دُونِهِ ) أي من غير اللّه ( مِنْ شَيْءٍ ) بيان ل « ما » وهو الآلهة ، أي اللّه مطلع عليكم وعلى أعمالكم فيجازيكم ، وفيه تهديد
--> ( 1 ) قوله ، ح : - وي . ( 2 ) هذا الرأي مأخوذ عن الكشاف ، 4 / 248 . ( 3 ) لقوم ، ح و : بقوم ، ي . ( 4 ) أي ، + ح . ( 5 ) ذكر ، + وي ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 4 / 248 . ( 6 ) لقال ، وي : ليقال ، ح . ( 7 ) لعل المفسر اختصر هذا المعنى من القرطبي ، 13 / 345 . ( 8 ) « يدعون » : قرأ عاصم والبصريان بالياء التحتية ، وغيرهم بالتاء الفوقية . البدور الزاهرة ، 245 .