أحمد بن محمود السيواسي
246
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
[ سورة القصص ( 28 ) : آية 67 ] فَأَمَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ ( 67 ) ( فَأَمَّا مَنْ تابَ ) من الكفر ( وَآمَنَ ) باللّه ورسوله ( وَعَمِلَ صالِحاً ) أي عملا مرضيا عند اللّه ( فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ ) [ 67 ] أي الناجين من العذاب وبدخول الجنة ، فانظر كيف جمع بين الإيمان والعمل الصالح لرجاء الفلاح . [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 68 إلى 69 ] وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 68 ) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ ( 69 ) قوله ( وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ) نزل لما قيل « لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ » « 1 » ، أي وربك لا يبعث الرسل بأخبار المرسل إليهم بل يختار بالرسالة لمن يشاء ، ونفى اختيارهم بقوله ( ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ) أي الاختيار ، يعني ليس لهم أن يختاروا شيئا ما ، ف « ما » نفي على هذا ، ويجوز أن يكون موصولا مفعول « يَخْتارُ » ، والعائد محذوف ، أي يختار الذي لهم فيه الخيرة وصلاحهم فالخيرة التخير ( سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عن ما يُشْرِكُونَ ) [ 68 ] أي اللّه بريء من إشراكهم وجرأتهم على اللّه باختيارهم ما لا يختار . ( وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ ) أي تضمر ( صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ ) [ 69 ] من القول . [ سورة القصص ( 28 ) : آية 70 ] وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 70 ) ( وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ) أي المعبود بالحق هو اللّه لا غير ( لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ ) أي هو مستحقه في الدارين ، والتحميد على وجه اللذة في الآخرة وفي الدنيا على وجه الكلفة ، وحمد الآخرة قولهم : الحمد للّه الذي أذهب عنا الحزن ، الحمد للّه الذي صدقنا وعده ، والحمد للّه رب العالمين ( وَلَهُ الْحُكْمُ ) أي القضاء بين عباده ( وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) [ 70 ] في الآخرة فيجازيكم بأعمالكم . [ سورة القصص ( 28 ) : آية 71 ] قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَ فَلا تَسْمَعُونَ ( 71 ) قوله ( قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ) نبه فيه على اختصاص الربوبية له تعالى بصنعة الليل والنهار لمصلحة الخلق ليعتبروا به فينتهوا عن عبادة غيره ويوحدوه ، فقال : قل يا محمد لكفار مكة أخبروني ( إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً ) أي متصلا ( إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ ) تطلبون فيه بعض معاشكم ، وإنما لم يقل بنهار تتصرفون فيه كما قال بليل تسكنون فيه بعد لأن الضياء ضوء الشمس ، وله فوائد كثيرة سوى التصرف في المعاش ليست في النهار لتبصر تلك به لأنه لأجل التصرف في المعاش وحده ، والظلام أيضا ليس بتلك المنزلة ، فذكر الضياء أبلغ من ذكر النهار ولذلك قرن السمع بالضياء بقوله ( أَ فَلا تَسْمَعُونَ ) [ 71 ] أي المواعظ سماع تدبر لأن السمع يدرك ما لا يدرك البصر من ذكر منافع الضياء ووصف فوائده . [ سورة القصص ( 28 ) : آية 72 ] قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَ فَلا تُبْصِرُونَ ( 72 ) ( قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ) أي أخبروني ( إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً ) أي دائما ( إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ ) أي تستقرون وتستريحون ( فِيهِ أَ فَلا تُبْصِرُونَ ) [ 72 ] قدرة اللّه فتؤمنون به ، وقرن الإبصار بسكون الليل لأن غيرك يبصر من منفعة الظلام ما تبصره أنت من السكون ونحوه فلا حاجة إلى تقرير فوائد الظلام لتذكر السماع .
--> ( 1 ) الزخرف ( 43 ) ، 31 . نقله المؤلف عن السمرقندي ، 2 / 524 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 4 / 354 .