أحمد بن محمود السيواسي

244

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

الكفار « 1 » ، أي نحن قليلون أن نتبع الهدى يتخطفونا ( مِنْ أَرْضِنا ) مكة ووبخهم اللّه بقوله ( أَ وَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ ) أي أو لم ننزلهم مكة ( حَرَماً آمِناً ) أي في الحرم الذي آمنه بحرمة البيت وآمن سكانه بحرمته ، وكانت العرب في الجاهلية يتناحرون وهم آمنون في حرمهم لا يخافون من السبي والقتل وهم يعبدون غيري ، فكيف يخافون لو أسلموا ( يُجْبى ) بالياء والتاء « 2 » ( إِلَيْهِ ) أي إلى الحرم يجمع ( ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ ) أي كل لون من ألوان الثمرات من كل ناحية ( رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا ) أي من عندنا ، مفعول له ، أو حال بمعنى مرزوقا من ثمرات متخصصة بالإضافة ( وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) [ 57 ] أن ذلك رزق من لدنا ، ولو علموا ذلك لعلموا أن الخوف والأمن من عند اللّه . [ سورة القصص ( 28 ) : آية 58 ] وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ ( 58 ) قوله ( وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ ) تخويف لأهل مكة من سوء العاقبة لتبديلهم الكفر بالشكر ، أي أهلكنا قرية كثيرة ( بَطِرَتْ مَعِيشَتَها ) أي فرحت من معيشتها بنزع الخافض أو ظرف ، أي أيام معيشتها ، وأصل البطر دهش يعتري من سوء احتمال النعمة والقيام بحقها ، وهو أن لا يحفظ حق اللّه في النعمة ، لأنهم أكلوا رزق اللّه وعبدوا غيره من الأصنام فأهلكهم اللّه بالعذاب في الدنيا ( فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ ) أي بيوتهم انظروا إليها واعتبروا فيها بقيت خالية ( لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا ) سكونا ( قَلِيلًا ) وهو ساعة أو يوم للمسافرين ( وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ ) [ 58 ] لتلك المساكن من ساكنيها ، أي تركناها على حال لا يسكنها أحد . [ سورة القصص ( 28 ) : آية 59 ] وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلاَّ وَأَهْلُها ظالِمُونَ ( 59 ) ( وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى ) أي لم يعذب أهلها في كل زمان ( حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها ) أي في أم القرى « 3 » ، يعني مكة أو أكبرها ، قرئ بضم الألف وكسرها « 4 » ( رَسُولًا ) وهو محمد صلّى اللّه عليه وسلم أو عام في كل رسول ، وأم القرى هي التي يسكن « 5 » فيها الأشراف ، لأن الرسول أنما يبعث غالبا إلى الأشراف ( يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا ) أي القرآن ترغيبا وترهيبا ، وهذا بيان لعدله وتقدسه عن الظلم لأنه أعلم بكمال فضله ، إن عادته ليست أن يهلكهم إلا إذا استحقوا الإهلاك بظلمهم ولا يهلكهم إلا بعد تأكيد الحجة والإلزام ببعثة الرسول ، ولذا أردفه بقوله ( وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ ) [ 59 ] بالشرك . [ سورة القصص ( 28 ) : آية 60 ] وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 60 ) ( وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ ) أي الذي أعطيتم من مال في الدنيا ( فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها ) أي فهو ما تنتفعون به أيام حياتكم وتتزينون به ولا يبقى دائما ، يعني أنتم وما أوتيتم من أسباب التمتع في الدنيا إلى فناء ( وَما عِنْدَ اللَّهِ ) أي والذي وعد لكم من الأجر والفضل الثابت عنده تعالى ( خَيْرٌ ) في نفسه من ذلك ( وَأَبْقى ) لأنه دائم لا يفني ( أَ فَلا تَعْقِلُونَ ) [ 60 ] أن الباقي خير من الفاني فتؤمنون « 6 » ، بالتاء والياء « 7 » . [ سورة القصص ( 28 ) : آية 61 ] أَ فَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ( 61 ) قوله ( أَ فَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً ) أي الجنة أو النصر ( فَهُوَ لاقِيهِ ) أي مصيبه ، نزل في النبي عليه السّلام وأبي

--> ( 1 ) نقله عن البغوي مختصرا ، 4 / 351 . ( 2 ) « يجبى » : قرأ المدنيان ورويس بالتاء الفوقية ، وغيرهم بالياء التحتية . البدور الزاهرة ، 242 . ( 3 ) أي في أم القرى ، ح : أي أم القرى ، ي ، أم القرى ، و . ( 4 ) « فِي أُمِّها » : قرأ الأخوان بكسر الهمزة وصلا ، وغيرهما بضمها كذلك ، والجميع يبتدئون بضم الهمزة ، وأجمعوا على كسر الميم في الحالين . البدور الزاهرة ، 242 . ( 5 ) يسكن ، ح ي : تسكن ، و . ( 6 ) فتؤمنون ، وي : فتؤمنوا ، ح . ( 7 ) « تعقلون » : قرأ أبو عمرو بياء الغيبة ، والباقون بتاء الخطاب . البدور الزاهرة ، 242 .