أحمد بن محمود السيواسي

242

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

محذوف وهو لعذبوا في الدنيا قبل الإنذار وإن تصيبهم « مصيبة » مبتدأ محذوف الخبر ، وقوله ( فَيَقُولُوا رَبَّنا ) عطف على المبتدأ بتقدير « أن » ، وقوله ( لَوْ لا ) أي هلا ( أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا ) ينذرنا مقولهم و « لَوْ لا » هذه تحضيضية ، جوابها ( فَنَتَّبِعَ آياتِكَ ) بالنصب والفاء يدخل جوابا للأمر ، إذ في التحضيض معنى الأمر ( وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) [ 47 ] بالنصب عطف على « فَنَتَّبِعَ » والذي قصد أن يكون سببا لإرسال الرسل هو قولهم « لَوْ لا أَرْسَلْتَ » الآية لا إصابة العقوبة لهم لكن إصابتها لهم سبب لقولهم ، فجعلت العقوبة كأنها سبب الإرسال بواسطة القول ، فأدخلت « لَوْ لا » عليها وجيء بالقول معطوفا عليها بالفاء المعطية معنى السببية ، فالمعنى : لولا قولهم هذا الذي فيه معنى الاحتجاج علينا بترك الإرسال إليهم إذا أصابتهم مصيبة منا لما أرسلنا رسولا إليهم للإنذار ولعاجلناهم بالعقوبة والإهلاك لكنا فعلنا الإرسال لدفع قولهم ، وإزالة حجتهم علينا نحو لئلا يكون للناس على اللّه حجة بعد الرسل . [ سورة القصص ( 28 ) : آية 48 ] فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْ لا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى أَ وَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا وَقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ ( 48 ) ( فَلَمَّا جاءَهُمُ ) أي أهل « 1 » مكة ( الْحَقُّ ) وهو الرسول المصدق بالكتاب المعجز ( مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْ لا ) أي هلا ( أُوتِيَ ) هذا الرسول ( مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى ) من الآيات كالعصا واليد وفلق البحر والتورية جملة واحدة فقال تعالى ( أَ وَلَمْ يَكْفُرُوا ) توبيخا لهم بكفرهم ، أي ألم يكفر أبناء جنسهم في زمان موسى ومذهب هؤلاء كمذهب أولئك وعنادهم كعنادهم فهم مثلهم في الكفر ، ولذا قال مسندا إليهم الكفر أو لم يكفروا في عهد موسى ( بِما أُوتِيَ مُوسى ) من التورية ( مِنْ قَبْلُ ) أي من قبل « 2 » القرآن بأن ( قالُوا ) موسى وهارون ( سِحْرانِ تَظاهَرا ) أي تعاونا وقرئ « ساحران » « 3 » ، والمراد التورية والإنجيل أو الترية والقرآن ، وذلك حين بعثوا الرهط إلى رؤساء اليهود بالمدينة يسألونهم عن محمد عليه السّلام فأخبرهم أنه نعته ، وإنه في كتابهم فرجعوا إليهم وأخبروهم بقول اليهود ، فقالوا عند ذلك : ساحران تظاهرا ، أي موسى ومحمد عليهما السّلام ( وَقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ ) منهم ومن كتبهم ( كافِرُونَ ) [ 48 ] . [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 49 إلى 50 ] قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 49 ) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 50 ) قوله ( قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ) أمر اللّه تعالى محمدا صلّى اللّه عليه وسلم بأن يقول فأتوا بكتاب ( هُوَ أَهْدى مِنْهُما ) أي مما أنزل على موسى ومما أنزل علي ( أَتَّبِعْهُ ) أنا ( إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) [ 49 ] في قولكم ، وفيه تهكم لهم إذ لا شك أن اتيانهم بذلك محال ، ولما كان الأمر الاتيان يقتضي الإجابة قال ( فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ ) أي دعاءك إلى الاتيان بكتاب أهدى بحذف المفعول وزيادة اللام والذي يدل على حذف المفعول الذي هو الدعاء قوله « فَأْتُوا بِكِتابٍ » ، لأنه أمر بالاتيان وهو دعاء إلى الفعل ، أي إن لم يجيبوا دعاءك إلى الاتيان بكتاب ( فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ ) في كفرهم ( وَمَنْ أَضَلُّ ) استفهام للإنكار ، أي لا أحد أضل ( مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ ) أي مخذولا مطبوعا على قلبه ( إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) [ 50 ] أي لا يلطف بالقوم الثابتين على ظلمهم ، يعني لا يرشدهم إلى دينه الحق . [ سورة القصص ( 28 ) : آية 51 ] وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ( 51 ) ( وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ ) أي بينا للكفار القرآن وأحكامه متتابعا متواصلا وعدا ووعيدا وقصصا وعبرا

--> ( 1 ) أهل ، ح ي : كفار ، و . ( 2 ) أي من قبل ، ح : أي قبل ، وي . ( 3 ) « سحران » : قرأ الكوفيون بكسر السين وإسكان الحاء ، وغيرهم بفتح السين وألف بعدها مع كسر الحاء ولا يخفى ترقيق الراء لورش . البدور الزاهرة ، 241 .