أحمد بن محمود السيواسي

18

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 37 ] وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً ( 37 ) ( وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً ) بفتح الراء مصدر في موضع الحال أو مفعول له وهو تفسير للمشي ، أي بطرا وكبرا ، وكسر الراء رواية حالا « 1 » ، أي ذا فرح مختالا تمشي مرة على عقبيك ومرة على صدور قدميك ، فيقال لك ( إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ ) أي لن تثقبها بكبرك حتى تخرج منها ( وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا ) [ 37 ] نصبه حال أو تمييز أو مفعول له ، أي لا تقدر أن تطاول الجبال وتساويها بكبرك إن مشيت على صدور قدميك ، قال أبو هريرة : « ما رأيت شيئا أحسن من رسول اللّه عليه السّلام ، كأن الشمس تجري في وجهه ، وما رأيت أحدا أسرع في مشيته من رسول اللّه عليه السّلام كأنما الأرض تطوي له أنا لنجهد أنفسنا وإنه غير مكترث » « 2 » . [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 38 ] كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً ( 38 ) ( كُلُّ ذلِكَ ) أي كل الذي ذكرناه ( كانَ سَيِّئُهُ ) بالإضافة ، أي سئ ما عددنا عليك ( عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً ) [ 38 ] أي إثما ومعصية وهو ما سوى الأمور الحسنة كقوله فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ « 3 » ، وغير ذلك ، وقرئ « سيئة » منصوبة بالتنوين « 4 » ، فمعناه : كل ما ذكرناه من قوله « وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ » « 5 » إلى هذا الموضع كان سيئة لا حسنة ، فعلى هذا كان قوله « كُلُّ ذلِكَ » إحاطة بما نهي عنه خاصة ، وإنما لم يقل « مكروهة » بالتاء ليطابق الموصوف ، وهو « سيئة » نظرا إلى المعنى دون اللفظ ، لأن السيئة الذنب وهو مذكر أو لأن تأنيثها غير حقيقي . [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 39 ] ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً ( 39 ) ( ذلِكَ ) أي كل ما أمر اللّه به ونهى عنه ( مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ ) أي فهو حكمة هادية إلى الرشد ، سمي بها ، لأنها محكمة لا يتطرق عليه فساد ما ، قوله « مِنَ الْحِكْمَةِ » بيان لما أوحي ، قوله ( وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ ) خطاب للنبي عليه السّلام ، والمراد غيره ، أي لا تشرك باللّه ( فَتُلْقى ) أي فتطرح ( فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً ) أي يلومك الناس ( مَدْحُوراً ) [ 39 ] أي مبعدا من كل خير . [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 40 ] أَ فَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً ( 40 ) ثم خاطب المشركين من أهل مكة توبيخا بقوله ( أَ فَأَصْفاكُمْ ) الهمزة فيه للإنكار ، أي أشركتم وشاركتم باللّه يا كفار مكة فخصكم ( رَبُّكُمْ ) على وجه الخلوص ( بِالْبَنِينَ ) أي بأفضل الأولاد ( وَاتَّخَذَ ) لنفسه ( مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً ) باضافتكم إليه الأولاد ، لأنهم كانوا يقولون الملائكة بنات اللّه ( إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيماً ) [ 40 ] أي منكرا شديدا باشراككم به شيئا وتفضيلكم عليه أنفسكم حيث تجعلون له ما تكرهون ، ثم بأن تجعلوا « 6 » أشرف خلق اللّه أهونه بتسميته إناثا . [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 41 ] وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُوراً ( 41 ) ثم قال اللّه تعالى ( وَلَقَدْ صَرَّفْنا ) أي بينا ( فِي هذَا الْقُرْآنِ ) الحكم والأمثال والحجج والأحكام ( لِيَذَّكَّرُوا ) بالتخفيف والتشديد « 7 » ، أي ليتعظوا بما فيه وينتهوا عن عبادة الأوثان ( وَما يَزِيدُهُمْ ) تصريفنا بالقرآن ( إِلَّا

--> ( 1 ) لعله أخذ هذه القراءة عن الكشاف ، 3 / 179 . ( 2 ) انظر البغوي ، 3 / 496 . ( 3 ) الإسراء ( 17 ) ، 24 . ( 4 ) « سيئه » : قرأ المدنيان والمكي والبصريان بفتح الهمزة وبعدها تاء تأنيث منصوبة منونة ، والباقون بضم الهمزة وبعدها هاء مضمومة موصولة بواو في اللفظ . البدور الزاهرة ، 185 . ( 5 ) الإسراء ( 17 ) ، 31 . ( 6 ) ثم بأن تجعلوا ، س : وبجعل ، ب ، وتجعلون ، م ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 3 / 180 . ( 7 ) « ليذكروا » : قرأ الأخوان وخلف باسكان الذال وضم الكاف مخففة ، والباقون بفتح الذال والكاف مع تشديدهما . البدور الزاهرة ، 185 .