أحمد بن محمود السيواسي
175
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
ثم انطلق معه إلى النبي عليه السّلام فوجده « 1 » ، وقد أنزلت عليه هذه الآية ، فأمر بأن يستأذن العبيد والإماء ( وَ ) الأطفال ( الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ) من الأحرار في الدخول عليهم ( ثَلاثَ مَرَّاتٍ ) أي في ثلاثة أوقات في اليوم والليلة ، قوله ( مِنْ قَبْلِ ) بيان ل « ثَلاثَ مَرَّاتٍ » أو بدل منه ، أي ليستأذنوا قبل ( صَلاةِ الْفَجْرِ ) لأنه وقت القيام من المضاجع ( وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ ) أي وقت الظهر للقيلولة ( وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ ) لأن وقت التجرد من ثياب اليقظة والالتحاف بثياب النوم ، فالاستئذان مشروع لهؤلاء في هذه الأوقات الثلاث ولغيرهم في جميع الأوقات ( ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ ) بالنصب بدل من « ثَلاثَ مَرَّاتٍ » ، أي أوقات ثلاث عورات ، وبالرفع « 2 » ، أي هذه أوقات ثلاث عورات ، والعورة الخلل ، ويسمى هذه الأوقات بها ، لأنه يختل تستر الناس وتحفظهم فيها ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ ) محله رفع إذا رفع « ثَلاثُ عَوْراتٍ » صفة له ، وإذا نصب فلا محل له ، بل هو كلام مقرر للأمر بالاستئذان في تلك الأحوال خاصة ( بَعْدَهُنَّ ) أي بعد هذه الأوقات ، يعني بعد الاستئذان فيها ، أي لا إثم عليكم ولا على المذكورين في الدخول بغير استئذان ، ثم عذرهم في ترك الاستئذان عدا هذه الأوقات ، فقال هم ( طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ ) للخدمة وهو وجه العذر ، يعني أن بكم وبهم حاجة إلى المداخلة بينكم لأنكم تطوفون عليهم للاستخدام وهم عليكم للخدمة ، فلو أوجب الاستئذان في كل وقت لأدى إلى الحرج ، قوله ( بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ ) مبتدأ وخبر ، أي بعضكم طائفة على بعض ، دل عليه السياق ، وهذه الجملة مؤكدة مبينة لما قبلها ، قيل : هذه الآية منسوخة « 3 » ، وقيل : محكمة « 4 » حتى أوجب الاستئذان على الأم والأخت ( كَذلِكَ ) أي مثل هذا البيان ( يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ ) أي أحكام القرآن ( وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) [ 58 ] أي يعلم بصلاح الناس ويحكم بالاستئذان ليدخل بعضهم على بعض بغير إذن . [ سورة النور ( 24 ) : آية 59 ] وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 59 ) ( وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ ) أي الاحتلام ، والمراد الأحرار من الغلمان ( فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) وهم من بلغ قبلهم من الأحرار ، أي كالرجال واعتبار البلوغ بالسن بثماني عشرة سنة للغلام ، وسبع عشرة سنة للجارية عند أبي حنيفة رحمه اللّه ، وبخمس عشرة سنة فيهما عند الأكثرين « 5 » ( كَذلِكَ ) أي كهذا البيان ( يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ ) أي أحكامه من الأمر والنهي ( وَاللَّهُ عَلِيمٌ ) بصلاح الخلق ( حَكِيمٌ ) [ 59 ] يحكم بالاستئذان وعدمه بالحكمة . [ سورة النور ( 24 ) : آية 60 ] وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللاَّتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 60 ) قوله ( وَالْقَواعِدُ ) مبتدأ ، جمع القاعد بلا هاء ، و ( مِنَ النِّساءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً ) بيان للقاعد ، وهي التي قعدت ، أي آيست عن الحيض والولد لكبر السن ، وخبر المبتدأ ( فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ) أي بوضعهن ( ثِيابَهُنَّ ) من الجلباب والإزار فوق الثياب والقناع فوق الخمار ، ودخل الفاء في « فَلَيْسَ » لكون الألف واللام في « الْقَواعِدُ » بمعنى « التي » ، وفيه معنى الشرط ( غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ ) نصب على الحال من فاعل « يَضَعْنَ » ، أي غير مظهرات زينة خفية كالسوار والخلخال والقلادة ، لكن لطلب التخفيف جاز الوضع لهن ، قوله ( وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ ) مبتدأ وخبر ، أي طلبهن العفة عن التبرج ووضع الثياب خير لهن من تركه ( وَاللَّهُ
--> ( 1 ) عن ابن عباس ، انظر السمرقندي ، 2 / 448 ؛ والواحدي ، 275 - 276 . ( 2 ) ثَلاثُ عَوْراتٍ » : قرأ شعبة والأخوان وخلف بنصب الثاء وغيرهم بالرفع . البدور الزاهرة ، 225 . ( 3 ) أخذه المؤلف عن البغوي ، 4 / 218 ؛ وانظر أيضا النحاس ، 197 - 199 ؛ وهبة اللّه بن سلامة ، 70 . ( 4 ) وهذا قول الشعبي وسعيد بن جبير ، انظر البغوي ، 4 / 218 . ( 5 ) الأكثرين ، ح ي : الأكثر ، و .