أحمد بن محمود السيواسي
169
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
زهرته فقال ( الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ) بضم الدال بلا همز ومع همز ، وبكسر الدال مع همز « 1 » ، وهو من الكواكب الدراري وهي الكواكب المشهورة كالمشتري والزهرة والمريخ ، ونسب الكوكب إلى الدر بالضم لفرط ضيائه ، أي أبيض متلألئ ، فوزنه فعلى ، وهو مع المد والهمز من الدرء وهو الدفع ، لأن الكوكب يدفع الظلمة بضيائه ، فوزنه فعيل ، وكذلك مع كسر الدال فيهما ( يُوقَدُ ) أي الزجاجة أو المصباح إذا قرئ بالتاء أو الياء مخففا مجهولا ، وقرئ بفتح التاء والقاف مشددا مع ضم الدال « 2 » ، أصله تتوقد معلوما بلفظ التأنيث ، أي تتوقد الزوجاجة ( مِنْ شَجَرَةٍ ) أي من زيت شجرة ( مُبارَكَةٍ ) كثيرة الخير والنفع ، لأن زيتها إدام وفاكهة ومصحة للباسور وهي الدمل في المقعد وحواليه ، قوله ( زَيْتُونَةٍ ) بدل من « شَجَرَةٍ » متصفة بقوله ( لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ ) لأنها بين الشجر لا يصيبها الشمس فهي ناعمة غضة أو هي في خط الاستواء بين المشرق والمغرب ، فلا يوصف بأحد منهما فلا يصل لها حر ولا برد مضرين ، قوله ( يَكادُ زَيْتُها ) صفة ل « زيتونة » ، أي يقرب زيتها لصفائه ( يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ ) فكأنه لفرط ضيائه ( نُورٌ عَلى نُورٍ ) أي نور المصباح على نور الزجاجة ، يعني هو نور متضاعف تناصر فيه المشكاة والمصباح والزجاجة والزيت ، لأن المصباح إذا كان في مكان ضيق كان أجمع للضوء بخلاف الواسع ، لأنه ينتشر فيه والقنديل أعون على زيادة الإنارة ، وكذا الزيت بصفائه وتلألئه . وهذا تمثيل للحق مع النبي عليه السّلام الذي هو ضد الباطل ، شبهه بالنور في ظهوره وبيانه كقوله « اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ » « 3 » ، فالمشكوة صدر النبي عليه السّلام والزجاجة قلبه والمصباح نور النبوة فيه ، ومن شجرة مباركة شجرة النبوة يكاد زيتها يضيء ، أي يكاد أمر النبي عليه السّلام يتبين للناس أنه نبي ولو لم يتكلم بالحق كما يكاد ذلك الزيت ، يضيء ولو لم تمسسه نار أو هو تمثيل لنور المعرفة في قلب المؤمن المخلص ، فالمشكوة صدره والزجاجة قلبه والمصباح نور المعرفة والشجرة المباركة كلمة الإخلاص الثابتة فيه التي ليس بقدرية ولا جبرية ، وقيل : تمثيل للقرآن ، فالمصباح القرآن والزجاجة قلب المؤمن والمشكاة فمه ولسانه والشجرة المباركة شجرة الوحي يكاد زيتها يضيء ، أي حجة القرآن تظهر وإن لم يقرأ نور على نور ، أي نور من اللّه على خلقه مع ما أتاهم من الدلائل قبل نزول القرآن فبذلك ازدادوا نورا « 4 » ( يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ ) أي لهذا النور الثاقب ( مَنْ يَشاءُ ) من عباده ، أي يوفقه لإصابة الحق بنور البصيرة ( وَيَضْرِبُ اللَّهُ ) أي يبين ( الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ ) منة عليهم ليفهموا فيؤمنوا ، لأن المثل كالمرآة يظهر عنده الحق ( وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) [ 35 ] أي لا يخفى عليه شيء ما من ضرب الأمثال وغيره . [ سورة النور ( 24 ) : الآيات 36 إلى 38 ] فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ ( 36 ) رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ ( 37 ) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ( 38 ) ( فِي بُيُوتٍ ) يتعلق بمحذوف ، أي سبحوا فيها أو يتعلق ب « يُسَبِّحُ » بعده أو بما قبله من قوله « يُوقَدُ » ، أي مثل نوره كما يرى يتوقد في بيوت هي المساجد من نور القناديل أو ب « كَمِشْكاةٍ » أو ب « الْمِصْباحُ » ، أي كمشكاة في بيوت أو المصباح في بيوت ( أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ ) أي تعظم أو تبنى والمراد بال « أَذِنَ » الأمر ( وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ) وهو
--> ( 1 ) « دري » : قرأ أبو جعفر والكسائي بكسر الدال وبعد الراء ياء ساكنة مدية بعدها همزة ، وكذلك شعبة وحمزة غير أنهما يضمان الدال ، والباقون بضم الدال وبعد الراء ياء مشددة مع عدم الهمز ، ولحمزة في الوقف عليه الإبدال مع الإدغام ، وعليه السكون المحض والإشمام والروم . البدور الزاهرة ، 224 . ( 2 ) « يوقد » : قرأ المكي وأبو جعفر والبصريان بتاء مفتوحة وواو مفتوحة مع تشديد القاف وفتح الدال ، وقرأ نافع والشامي وحفص بياء تحتية مضمومة وواو ساكنة بعدها مع تخفيف القاف ورفع الدال ، والباقون بتاء فوقية وواو ساكنة مدية بعدها مع تخفيف القاف ورفع الدال . البدور الزاهرة ، 224 . ( 3 ) البقرة ( 2 ) ، 257 . ( 4 ) أخذ المؤلف هذا المعنى عن البغوي ، 4 / 206 .